شهدت الأسواق المالية يوم الخميس السادس من نوفمبر 2026 واحدة من أعنف موجات البيع في قطاع التكنولوجيا منذ أزمة أبريل 2025، حيث تراجع مؤشر ناسداك المركب بنسبة 5.5 بالمئة، في حين هوى مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 12 بالمئة، ليخسر مؤشر ستاندرد آند بورز 500 نحو 2.9 تريليون دولار من قيمته السوقية في جلسة واحدة.
ولم يكن هذا التراجع حدثا منعزلا، بل كان امتدادا مباشرا لتحول سياسي مفاجئ. فبعد فوز الحزب الديمقراطي بالسيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات النصفية، سادت حالة من القلق العميق بين المستثمرين حول مستقبل التوسع الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
مخاوف تنظيمية تهدد التوسع
ترتكز المخاوف الحالية على حقيقة أن التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي كان مدعوما بسياسات تسهيلية من الإدارة الجمهورية، شملت تسريع تراخيص الطاقة، وتخفيف قيود استخدام الأراضي، وتقديم حوافز ضريبية للشركات المستثمرة. ووفق تحليل صادر عن بنك يو بي إس، فإن السيطرة الديمقراطية قد تعرض نحو 30 بالمئة من التوسعة المخططة لمراكز البيانات حتى عام 2028 لخطر التأجيل أو الإلغاء، لا سيما في ظل مطالب الحزب الديمقراطي بفرض معايير بيئية أكثر صرامة على استهلاك الطاقة والمياه، ومراجعة اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل.
وقد انعكس هذا القلق فورا على أسهم الشركات القيادية. فشركة إنفيديا، التي تشكل العمود الفقري لتوريد الرقائق، خسرت أكثر من 8 بالمئة في جلسة واحدة، وتراجعت أسهم إيه إم دي وبرودكوم وشركات بناء مراكز البيانات مثل سوبر مايكرو كمبيوتر بنسب تجاوزت 10 بالمئة. كما طال البيع شركات الطاقة المتعاقدة مع مراكز البيانات، والتي كانت قد ارتفعت بأكثر من 200 بالمئة خلال العامين الماضيين بدعم من عقود الذكاء الاصطناعي.
من وول ستريت إلى الكريبتو
لم تقتصر العدوى على أسهم التكنولوجيا، بل امتدت إلى سوق الأصول الرقمية. فمع تزايد الارتباط بين أسهم الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة بفعل التدفقات المؤسسية المشتركة، شهد سوق الكريبتو تصفية مراكز رافعة تجاوزت 1.27 مليار دولار، منها 1.1 مليار دولار لمراكز شراء، وتراجعت عملة بيتكوين بنسبة 5.3 بالمئة لتستقر قرب مستوى 75 ألف دولار، فيما فقدت إيثريوم 7.3 بالمئة.
وتشير بيانات منصة كوين غلاس إلى أن أكثر من 240 ألف متداول تمت تصفية مراكزهم، بينما سجلت صناديق بيتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة تدفقات خارجة صافية بلغت 430 مليون دولار، قادتها فيديليتي بمقدار 200 مليون دولار وبلاك روك بمقدار 105 ملايين دولار، لتمتد موجة الخروج لخمس جلسات متتالية.
هل هو تصحيح أم نهاية دورة؟
يرى محللون في كراون إنفستينغ أن المؤشرات على السلسلة تكشف عن سوق مرهق. فقد انخفض مؤشر الربح من الإنفاق SOPR إلى ما دون مستوى واحد، ما يعني أن العملات التي تتحرك حاليا تباع بخسارة، كما تقلصت القيمة السوقية إلى القيمة المحققة MVRV إلى المنطقة المحايدة بعد أشهر من التضخم، بينما هبط مؤشر الخوف والطمع إلى مستوى 28 نقطة، وهو نطاق الخوف الشديد.
في المقابل، تظهر بيانات كريبتو كوانت أن المحافظ الحوتية التي تحتفظ بأكثر من ألف بيتكوين لم ترسل عملاتها إلى المنصات، مما يشير إلى أن كبار الحائزين لا يزالون متمسكين بمراكزهم رغم التراجع، وهو ما قد يمثل إشارة معاكسة للسوق.
ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الانهيار هو ما إذا كان السوق يشهد تصحيحا صحيا بعد ارتفاعات مبالغ فيها قادت تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات لم تشهدها منذ فقاعة الإنترنت، أم أنه بداية لإعادة تسعير جذرية لنموذج أعمال يعتمد بشكل مفرط على الإنفاق الرأسمالي المستمر دون عوائد فورية. فالتقديرات تشير إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى التزمت بإنفاق يزيد عن 400 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 وحده، دون أن تظهر بعد إيرادات متناسبة تبرر هذا الإنفاق.
إن ما حدث يوم الخميس لم يكن مجرد تراجع تقني، بل كان اختبارا حقيقيا لفرضية أن الذكاء الاصطناعي قادر على حمل أسواق الأسهم بأكملها. ومع توجه الأنظار الآن إلى تقرير الوظائف الأمريكي ومسار أسعار الفائدة، فإن مستقبل أسهم الذكاء الاصطناعي سيتحدد بقدرة الشركات على إثبات أن مراكز البيانات العملاقة ليست مجرد أصول ثقيلة تستهلك الطاقة، بل محركات حقيقية للربحية في الاقتصاد القادم.
