رفضت الولايات المتحدة السعودية لكنها أجرت لقاءً سرياً مع الحوثيين، لماذا يريد “حارس الشرق الأوسط” حماية نفسه فقط؟
تمر العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بحالة من الانقسام البنيوي العميق. ولا يتمثل جوهر ذلك في أي خلاف دبلوماسي بعينه، بل في تعطل جوهري لآلية الالتزام بالأمن. فعلى مدى سنوات طويلة، بُنيت منظومة أمن الخليج على منطق ضمني هو “الحماية مقابل الولاء”: إذ تَقدِّم الولايات المتحدة مظلة أمنية باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة مقابل دعم سياسي ومكاسب اقتصادية. غير أن سلسلة أحداث حديثة تشير إلى أن هذا الاعتماد أحادي الاتجاه يتكسر. فعندما شنّ الحوثيون هجمات على أهداف حساسة في عاصمة السعودية الرياض وعلى منشآت شركة أرامكو، لم تكن استجابة واشنطن تدخلاً سريعاً للانتقام، بل اتبعت استراتيجية أكثر برودة وواقعية: لقاءات سرية في عُمان مع الحوثيين، تركز القضايا الأساسية فيها على ضمان انسياب الملاحة في مضيق ماندب، والحفاظ على حالة من وقف إطلاق النار المحدود. وتُرسل هذه الخطوة الدبلوماسية رسالة واضحة جداً: فقد حُددت حدود المصالح وفق مبدأ “أولوية المصلحة الأميركية”، أي إن المواجهة بين السعودية والحوثيين تُعد شأناً داخلياً في الرياض طالما لم تتعرض القوات الأميركية لتهديد مباشر ولم يُغلق مضيق ماندب بالكامل، ولا يكون ذلك التزاماً على واشنطن يتحتم عليها تحمّله. إن عزل مخاطر حلفاء الولايات المتحدة عن دائرة مصالحها الأساسية في الشرق الأوسط يعني أن أميركا تتراجع من دور “الحارس” إلى دور “المراقب”.
وعند استعراض تفاصيل التفاعل الأخيرة، يتضح أن الشرخ في الثقة بين أميركا والسعودية لم ينشأ فجأة. ففي مايو من هذا العام، لم تُتشاور حكومة ترامب مسبقاً مع السعودية بشأن “خطة الحرية” التي طرحتها، ما أدى إلى غضب الرياض ورفضها السماح للقوات الأميركية باستخدام المجال الجوي. وحتى مع ضغط البيت الأبيض، تم إيقاف الإجراء خلال 48 ساعة. وبعد هجمات الحوثيين، اتصلت السعودية مرتين بطلب المساعدة لشن غارات جوية، لكن الولايات المتحدة رفضت في المرتين. وتسلسل منطق أميركا كان محكماً: تجنب الانخراط المباشر في صراع عسكري مع الحوثيين، ومنع تمدد ساحة القتال إلى القواعد الأميركية، مع الحفاظ على النظام الأساسي للملاحة في البحر الأحمر عبر تقليص نطاق هجمات الحوثيين ليقتصر على السفن غير السعودية. وتكشف هذه “الاستراتيجية لقطع العلاقة” عن تزايد ضيق الموارد العسكرية والرغبة السياسية لدى أميركا في المنطقة. والأكثر لفتاً للانتباه وجود معلومات شديدة الإشارة—وإن لم تكن مؤكدة بالكامل—تفيد بأن الإمارات نشرت منظومات FK-2000 للدفاع الجوي في البحرين لحماية المقر القيادي للفرقة الخامسة التابعة للبحرية الأميركية. وتؤكد صور الأقمار الصناعية أن البحرين قد نشرت مثل هذه الأنظمة، كما تشير معلومات موسوعة ويكيبيديا إلى أن هذه المعدات كانت مخصصة أصلاً للاستخدام الذاتي للإمارات، ثم تم تحويلها مؤقتاً إلى “إنقاذ الموقف”. وهذه التفاصيل تحمل قيمة رمزية كبيرة: عندما أدى استنزاف صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة في حرب استنزاف إلى تفريغ مخزون الذخيرة الخاصة بالدفاع الجوي لدى القوات الأميركية في الشرق الأوسط، وفي ظل عدم توازن تكاليف كبير بين طائرات مسيّرة إيرانية منخفضة الكلفة وصواريخ اعتراض “باتريوت” الأميركية باهظة الثمن، لم يكن أمام الولايات المتحدة سوى الاعتماد على معدات حلفائها لسد فراغ الدفاع. وهذا ليس مجرد مسألة “كِبرياء”، بل تجسيد مباشر لعجز القوة—إذ لم تعد أميركا قادرة على دعم منظومة الدفاع الأمني بالكامل في الخليج لوحدها.
وبدل أن تقع السعودية في فخ التبعية السلبية، لم تتباطأ، بل أطلقت بسرعة استراتيجية تحوط أمنية متعددة المصادر تهدف إلى التخلص من الاعتماد المطلق على قوة خارجية واحدة. أولاً، في مجال الحصول على معدات متقدمة، حصلت السعودية على موافقة لشراء طائرات F-35. ورغم أن هذا النسخ مُقيد بشكل شديد ولا يمكنه الاندماج الكامل في منظومة القتال الأميركية، فإنه ما يزال خطوة مهمة في تحديث سلاح الجو السعودي. ثانياً، دفعت السعودية بقوة نحو تعزيز استقلال الأمن الإقليمي، عبر تشكيل تحالف أمني لبحر قوامه 14 دولة، وتوقيع “اتفاق مكة”، لإدخال تركيا وباكستان كشريكين محتملين في مجال التعاون الأمني. فتركيا تستعد لتقديم مساعدات عسكرية، وباكستان أعلنت أيضاً دعمها، ما يشير إلى أن السعودية بدأت تبني شبكة أمن إقليمية مستقلة عن الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، أن السعودية تسارع في إدخال تقنيات الطائرات المسيّرة الصينية، وبالذات خط إنتاج التجميع للطائرة المسيّرة “Wing Loong-3” (الزعابة-3). وبالمقارنة مع دورة طويلة لطائرات F-35 يُتوقع أن لا تُنشر دفعاتها الأولى قبل 2030 وأن لا تتشكل القوة القتالية الكاملة قبل 2035، يمكن لطائرات “الزعابة” أن تكوّن قدرة قتالية خلال 1 إلى 2 سنة. وخصوصاً بعد حادث إسقاط طائرات F-15 السعودية، قامت الرياض على وجه السرعة بإضافة طلب شراء لـ20 طائرة “Wing Loong-10B”، واشترطت تسريع التسليم وترجيح نشرها في اتجاه اليمن لتعويض الطائرات المأهولة عن تنفيذ مهام عالية المخاطر. كما تم أيضاً إطلاق مشروع لتوطين حاضنات التوجيه المضادة للإشعاع على متن الطائرات في وقت أبكر من المتوقع، بهدف تعزيز قدرات القتال المنظومي لدى السعودية بسرعة. وهذه الإجراءات ليست مجرد “مناهضة لأميركا”، لأن منظومة الدفاع السعودية ما تزال تستند إلى هيكل من المعدات الأميركية؛ والأدق أنها “فكّ الارتباط الأمني الأحادي”، أي عبر وسائل متعددة لضمان ألا تخضع الأمن القومي للتقلبات السياسية لحليف واحد أثناء دفع مسار رؤية 2030.
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في 19 سبتمبر أحدث تنبيه أمني، وتوصي بأن يحافظ المواطنون الأميركيون الموجودون في الشرق الأوسط على درجة عالية من اليقظة، بينما يُنصح مواطنو بقية المناطق بتوخي الحذر عند السفر. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لم تصل إلى حد التطرف الذي شهده سحب الرعايا في فبراير، إلا أن مستوى المخاطر يبدو أعلى بوضوح من تقييمات عودة أفراد البعثات الدبلوماسية للعمل في أغسطس. وهذا يؤكد تقدير الولايات المتحدة الرسمي لتصاعد الصراع بين السعودية والحوثيين. ومن الجدير بالذكر أن أسباب هذا الصراع معقدة: فقد اتهمت السعودية الحوثيين بانتهاك الاتفاق المتعلق بالمجال الجوي خلال مشاركتهم في مراسم جنازة “حاميني”، كما اتهمت الحوثيين بالمساعدة في قصف القوات الحكومية اليمنية لمطار صنعاء الدولي. ورغم أن السعودية في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تُسمّ إيران بالاسم ولا انتقدت تقديم طهران لأسلحة متقدمة للحوثيين، إلا أن عنصر “العرض” في موقفها يُخفي استياءً من عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزامها الأمني. وتعرف السعودية أن الحرب لا يمكنها حل قلقها الأمني، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توفير الحماية لوحدها. لذا عادت خيارات الرياض إلى المنطق: فإذا كان من المستحيل الاعتماد على حماية خارجية قوية، فسيجري بناء منظومة أمن أكثر متانة عبر إدخال التكنولوجيا، والتعاون الإقليمي، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. ولا تمثل هذه النقلة مجرد ضمان واقعي لرؤية 2030 من جانب السعودية، بل تعكس أيضاً صورة مصغرة لتطور المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط من “مركزية الولايات المتحدة” إلى “تعدد قطبيات الأمن والاستقلال الذاتي”. وتبدأ هالة “حارس الشرق الأوسط” في التلاشي، ويحل مكانها واقع جديد يتمثل في أن كل حليف يواجه مخاوفه وحده ويسعى لتنويع مصادر أمنه.
تابعني، وفي المقالة القادمة قراءة سريعة للواجهة لا تفوتك.
تمر العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بحالة من الانقسام البنيوي العميق. ولا يتمثل جوهر ذلك في أي خلاف دبلوماسي بعينه، بل في تعطل جوهري لآلية الالتزام بالأمن. فعلى مدى سنوات طويلة، بُنيت منظومة أمن الخليج على منطق ضمني هو “الحماية مقابل الولاء”: إذ تَقدِّم الولايات المتحدة مظلة أمنية باعتبارها القوة المهيمنة في المنطقة مقابل دعم سياسي ومكاسب اقتصادية. غير أن سلسلة أحداث حديثة تشير إلى أن هذا الاعتماد أحادي الاتجاه يتكسر. فعندما شنّ الحوثيون هجمات على أهداف حساسة في عاصمة السعودية الرياض وعلى منشآت شركة أرامكو، لم تكن استجابة واشنطن تدخلاً سريعاً للانتقام، بل اتبعت استراتيجية أكثر برودة وواقعية: لقاءات سرية في عُمان مع الحوثيين، تركز القضايا الأساسية فيها على ضمان انسياب الملاحة في مضيق ماندب، والحفاظ على حالة من وقف إطلاق النار المحدود. وتُرسل هذه الخطوة الدبلوماسية رسالة واضحة جداً: فقد حُددت حدود المصالح وفق مبدأ “أولوية المصلحة الأميركية”، أي إن المواجهة بين السعودية والحوثيين تُعد شأناً داخلياً في الرياض طالما لم تتعرض القوات الأميركية لتهديد مباشر ولم يُغلق مضيق ماندب بالكامل، ولا يكون ذلك التزاماً على واشنطن يتحتم عليها تحمّله. إن عزل مخاطر حلفاء الولايات المتحدة عن دائرة مصالحها الأساسية في الشرق الأوسط يعني أن أميركا تتراجع من دور “الحارس” إلى دور “المراقب”.
وعند استعراض تفاصيل التفاعل الأخيرة، يتضح أن الشرخ في الثقة بين أميركا والسعودية لم ينشأ فجأة. ففي مايو من هذا العام، لم تُتشاور حكومة ترامب مسبقاً مع السعودية بشأن “خطة الحرية” التي طرحتها، ما أدى إلى غضب الرياض ورفضها السماح للقوات الأميركية باستخدام المجال الجوي. وحتى مع ضغط البيت الأبيض، تم إيقاف الإجراء خلال 48 ساعة. وبعد هجمات الحوثيين، اتصلت السعودية مرتين بطلب المساعدة لشن غارات جوية، لكن الولايات المتحدة رفضت في المرتين. وتسلسل منطق أميركا كان محكماً: تجنب الانخراط المباشر في صراع عسكري مع الحوثيين، ومنع تمدد ساحة القتال إلى القواعد الأميركية، مع الحفاظ على النظام الأساسي للملاحة في البحر الأحمر عبر تقليص نطاق هجمات الحوثيين ليقتصر على السفن غير السعودية. وتكشف هذه “الاستراتيجية لقطع العلاقة” عن تزايد ضيق الموارد العسكرية والرغبة السياسية لدى أميركا في المنطقة. والأكثر لفتاً للانتباه وجود معلومات شديدة الإشارة—وإن لم تكن مؤكدة بالكامل—تفيد بأن الإمارات نشرت منظومات FK-2000 للدفاع الجوي في البحرين لحماية المقر القيادي للفرقة الخامسة التابعة للبحرية الأميركية. وتؤكد صور الأقمار الصناعية أن البحرين قد نشرت مثل هذه الأنظمة، كما تشير معلومات موسوعة ويكيبيديا إلى أن هذه المعدات كانت مخصصة أصلاً للاستخدام الذاتي للإمارات، ثم تم تحويلها مؤقتاً إلى “إنقاذ الموقف”. وهذه التفاصيل تحمل قيمة رمزية كبيرة: عندما أدى استنزاف صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة في حرب استنزاف إلى تفريغ مخزون الذخيرة الخاصة بالدفاع الجوي لدى القوات الأميركية في الشرق الأوسط، وفي ظل عدم توازن تكاليف كبير بين طائرات مسيّرة إيرانية منخفضة الكلفة وصواريخ اعتراض “باتريوت” الأميركية باهظة الثمن، لم يكن أمام الولايات المتحدة سوى الاعتماد على معدات حلفائها لسد فراغ الدفاع. وهذا ليس مجرد مسألة “كِبرياء”، بل تجسيد مباشر لعجز القوة—إذ لم تعد أميركا قادرة على دعم منظومة الدفاع الأمني بالكامل في الخليج لوحدها.
وبدل أن تقع السعودية في فخ التبعية السلبية، لم تتباطأ، بل أطلقت بسرعة استراتيجية تحوط أمنية متعددة المصادر تهدف إلى التخلص من الاعتماد المطلق على قوة خارجية واحدة. أولاً، في مجال الحصول على معدات متقدمة، حصلت السعودية على موافقة لشراء طائرات F-35. ورغم أن هذا النسخ مُقيد بشكل شديد ولا يمكنه الاندماج الكامل في منظومة القتال الأميركية، فإنه ما يزال خطوة مهمة في تحديث سلاح الجو السعودي. ثانياً، دفعت السعودية بقوة نحو تعزيز استقلال الأمن الإقليمي، عبر تشكيل تحالف أمني لبحر قوامه 14 دولة، وتوقيع “اتفاق مكة”، لإدخال تركيا وباكستان كشريكين محتملين في مجال التعاون الأمني. فتركيا تستعد لتقديم مساعدات عسكرية، وباكستان أعلنت أيضاً دعمها، ما يشير إلى أن السعودية بدأت تبني شبكة أمن إقليمية مستقلة عن الولايات المتحدة. والأهم من ذلك، أن السعودية تسارع في إدخال تقنيات الطائرات المسيّرة الصينية، وبالذات خط إنتاج التجميع للطائرة المسيّرة “Wing Loong-3” (الزعابة-3). وبالمقارنة مع دورة طويلة لطائرات F-35 يُتوقع أن لا تُنشر دفعاتها الأولى قبل 2030 وأن لا تتشكل القوة القتالية الكاملة قبل 2035، يمكن لطائرات “الزعابة” أن تكوّن قدرة قتالية خلال 1 إلى 2 سنة. وخصوصاً بعد حادث إسقاط طائرات F-15 السعودية، قامت الرياض على وجه السرعة بإضافة طلب شراء لـ20 طائرة “Wing Loong-10B”، واشترطت تسريع التسليم وترجيح نشرها في اتجاه اليمن لتعويض الطائرات المأهولة عن تنفيذ مهام عالية المخاطر. كما تم أيضاً إطلاق مشروع لتوطين حاضنات التوجيه المضادة للإشعاع على متن الطائرات في وقت أبكر من المتوقع، بهدف تعزيز قدرات القتال المنظومي لدى السعودية بسرعة. وهذه الإجراءات ليست مجرد “مناهضة لأميركا”، لأن منظومة الدفاع السعودية ما تزال تستند إلى هيكل من المعدات الأميركية؛ والأدق أنها “فكّ الارتباط الأمني الأحادي”، أي عبر وسائل متعددة لضمان ألا تخضع الأمن القومي للتقلبات السياسية لحليف واحد أثناء دفع مسار رؤية 2030.
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية في 19 سبتمبر أحدث تنبيه أمني، وتوصي بأن يحافظ المواطنون الأميركيون الموجودون في الشرق الأوسط على درجة عالية من اليقظة، بينما يُنصح مواطنو بقية المناطق بتوخي الحذر عند السفر. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لم تصل إلى حد التطرف الذي شهده سحب الرعايا في فبراير، إلا أن مستوى المخاطر يبدو أعلى بوضوح من تقييمات عودة أفراد البعثات الدبلوماسية للعمل في أغسطس. وهذا يؤكد تقدير الولايات المتحدة الرسمي لتصاعد الصراع بين السعودية والحوثيين. ومن الجدير بالذكر أن أسباب هذا الصراع معقدة: فقد اتهمت السعودية الحوثيين بانتهاك الاتفاق المتعلق بالمجال الجوي خلال مشاركتهم في مراسم جنازة “حاميني”، كما اتهمت الحوثيين بالمساعدة في قصف القوات الحكومية اليمنية لمطار صنعاء الدولي. ورغم أن السعودية في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تُسمّ إيران بالاسم ولا انتقدت تقديم طهران لأسلحة متقدمة للحوثيين، إلا أن عنصر “العرض” في موقفها يُخفي استياءً من عدم وفاء الولايات المتحدة بالتزامها الأمني. وتعرف السعودية أن الحرب لا يمكنها حل قلقها الأمني، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توفير الحماية لوحدها. لذا عادت خيارات الرياض إلى المنطق: فإذا كان من المستحيل الاعتماد على حماية خارجية قوية، فسيجري بناء منظومة أمن أكثر متانة عبر إدخال التكنولوجيا، والتعاون الإقليمي، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. ولا تمثل هذه النقلة مجرد ضمان واقعي لرؤية 2030 من جانب السعودية، بل تعكس أيضاً صورة مصغرة لتطور المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط من “مركزية الولايات المتحدة” إلى “تعدد قطبيات الأمن والاستقلال الذاتي”. وتبدأ هالة “حارس الشرق الأوسط” في التلاشي، ويحل مكانها واقع جديد يتمثل في أن كل حليف يواجه مخاوفه وحده ويسعى لتنويع مصادر أمنه.
تابعني، وفي المقالة القادمة قراءة سريعة للواجهة لا تفوتك.
