صواريخ الحوثيين تقترب مباشرة من الرياض.. والسعودية تستنجد طارئة بدعم «الدول الأربع»
في فجر يوم 19 سبتمبر، تمزقت سماء الرياض بإنذارات دفاع جوي. وهذه الضجة كانت بمثابة علامة على تحوّل جذري في طبيعة أزمة البحر الأحمر. خلال الأشهر الماضية، كان النزاع يتجلى في المقام الأول على شكل ضربات أحادية من سلاح الجو السعودي لأهداف داخل اليمن، بينما كانت جماعة الحوثيين تتحمل الضغوط على أرضها. أما الآن، فقد امتدت الجبهة إلى عمق السعودية؛ إذ يهدد الحوثيون العاصمة السعودية ومفاصل الطاقة من خلال توليفة صواريخ وطائرات مسيرة. هذا الانتقال من «احتكاك حدودي» إلى «ردع في العمق» لا يخلّ بتوازنات أمن المنطقة فحسب، بل يضع السعودية كذلك في حالة سلبية غير مسبوقة على المستويين الدبلوماسي والعسكري. وفي الوقت نفسه، تكشف التدخلات العاجلة من الدول الأوروبية، وخاصة إيطاليا، أن الصراع قد تجاوز نطاق السياسة الجيوسياسية ليضرب مباشرة الأعصاب الحاكمة لسلاسل توريد الطاقة عالميًا.
تتميز التحركات العسكرية الأخيرة للحوثيين باستهداف استراتيجي واضح. ويتمثل جوهر منطقهم في تحويل السيطرة على اليابسة إلى ورقة ضغط في البحر، ثم ممارسة ضغط شامل على السعودية. وعلى جبهة البر، يتقدم الحوثيون على طول الساحل على البحر الأحمر نحو الجنوب، ويعلنون الاستحواذ خلال فترة قصيرة على نحو 5400 كيلومتر مربع من مناطق سيطرة جديدة، تشمل نقاطًا محورية قرب مضيق باب المندب مثل المخا وزبيد وجزيرة بيلين وغيرها. ولا يُعد هذا التقدم مجرد توسع إقليمي، بل يهدف إلى امتلاك قدرة على إسقاط النيران عند مدخل البحر الأحمر. وفي البحر وجبهة الطاقة، تعتمد السعودية منذ فترة طويلة على خطوط أنابيب النفط الممتدة من الشرق إلى الغرب لتجاوز مخاطر مضيق هرمز، حيث تعبر الخامات النفطية من حقولها الشرقية مسافة تقارب 1200 كيلومتر إلى ميناء ينبع في البحر الأحمر. لكن ضرب الحوثيين لمنشآت «أرامكو» السعودية في ينبع يعني أن هذا «المسار البديل» بات بدوره معرضًا للمخاطر. والأكثر إثارة للقلق هو أن مدى ضربات الحوثيين يتوسع من جيزان وحدود نجران تدريجيًا وصولًا إلى الطائف وينبع، حتى إلى الرياض. إن هذا الاختراق من الخارج إلى الداخل يرفع التهديد الأمني من مستوى مشكلة حدودية إلى أزمة طاقة، ثم يتطور في النهاية إلى قضية أمن سياسي على مستوى العاصمة. وبناءً على ذلك، حوّل الحوثيون成果 العسكرية إلى مطالب سياسية، وأعادوا إدراج جيزان ونجران وعسير في ورقة المطالب الإقليمية، محاولين إجبار السعودية على دفع تكاليف أعلى في قضايا الأمن والاقتصاد وحتى الأراضي، اعتمادًا على تفوقهم في ساحة القتال.
إزاء ضغوط متعددة الخطوط، أطلقت السعودية استراتيجية «الطريق إلى طلب المساعدة من أربع جهات»، لكن كل طريق يواجه صعوبات واقعية. يتمثل الطريق الأول في الولايات المتحدة؛ إذ سبق لولي العهد سلمان أن طلب من إدارة ترامب تدخلًا عسكريًا مباشرًا، لكن الجانب الأمريكي وافق فقط على تقديم دعم لمشاركة المعلومات وتحديد الأهداف، مع رفض المشاركة في القتال بشكل مباشر، واستمر في الحفاظ على تواصل مع عُمان ومع الحوثيين. تعكس هذه المواقف «مساعدة في الحماية لا في القتال» رغبة واشنطن في عدم العودة إلى مستنقع حرب اليمن، رغم أنها رفعت مستويات التحذير من المخاطر الإقليمية، كما أن ترامب أنهى مبكرًا جولة دافوس للعودة إلى البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن محدودية التعهدات العسكرية كانت واضحة. أما الطريق الثاني فيتمثل في طلب دعم الشركاء التقليديين؛ إذ أعلنت القوات المسلحة الباكستانية أنها «ستدافع بكل ما يلزم»، خصوصًا عن أمن مكة والمدينة، كما عبّرت فرنسا وبريطانيا ومصر وتركيا عن استعداد لدعم الاحتياجات المتعلقة بالدفاع الجوي أو المتطلبات العسكرية. غير أن توفير المعدات والمعلومات، مع اختلافه الجوهري عن إرسال قوات مباشرة، يعني أن السعودية تفتقر فعليًا إلى «قوة برية» تشارك في تحمل كلفة الحرب. الطريق الثالث لافت بدرجة كبيرة؛ إذ تناقش السعودية عبر قنوات القيادة المركزية الأمريكية مع إسرائيل معلومات استخبارية وتعاونًا في الدفاع الجوي. لم يكن هذا التحرك بهدف دفع تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، بل بدافع احتياجات أمنية واقعية: ففي ظل كثافة إطلاق الحوثيين للصواريخ، تحتاج السعودية إلى دعم تقني بخبرات ناضجة في مكافحة الصواريخ، والضغوط الأمنية أجبرتها على إعادة حساب التكلفة السياسية. أما الطريق الرابع فهو طلب وساطة الصين؛ إذ لجأت السعودية إلى بكين، لكنها لا تبحث عن ضربات عسكرية، بل تريد الاستفادة من قنوات التواصل لدى الجانب الصيني مع إيران لمنع انزلاق الأزمة إلى صراع أوسع. وخلال لقاء وانغ يي مع وزير خارجية إيران، علي أكبر عراقجي، أكد بوضوح أنه لا رغبة في تمدد التوترات إلى اليمن والبحر الأحمر. وهذا يعكس الفارق الجوهري بين خطّي المساعدة الأمريكي والصيني: تقدم الولايات المتحدة منظومة دفاع «بقوة صلبة»، بينما تقدم الصين جسور تواصل «بقوة ناعمة»، وبذلك يشكلان معًا لوحة متكاملة تساعد السعودية على مواجهة الأزمة.
وقد أدى تطور المشهد إلى تفاعلات متسلسلة في أسواق الطاقة العالمية، وكانت أوروبا الأكثر مباشرة تحت الضغط. إذ طلب وزير الدفاع الإيطالي كروسيتو من البحرية الاستعداد لعمليات في مضيق باب المندب، مع التفكير في الدفع بما يصل إلى 4 سفن لتعزيز المرافقة؛ ودافعه الأساسي حماية المصالح الاقتصادية لبلاده. كما أبلغت «أرامكو السعودية» بعض عملائها الأوروبيين الدائمين بأنه في شهر أكتوبر لن تتمكن من توريد النفط الخام وفق العقد الأصلي. وفي الوقت نفسه، يستورد أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا في المتوسط نحو 577 ألف برميل يوميًا من السعودية هذا العام في شهر يونيو. ومع تعرض خطوط الأنابيب الممتدة من الشرق إلى الغرب للهجوم وتعطل صادرات البحر الأحمر، أُجبرت المصافي الأوروبية على إعادة شراء الخام من السوق الدولية، ما أدى إلى ارتفاع شامل في تكاليف الشحن والتأمين وشراء النفط الخام، لتتحول في النهاية إلى فواتير تتحملها الشركات والمستهلكون. وهذا يبين أن الصراع لم يعد مجرد شأن داخلي إقليمي، بل صار خطرًا منهجيًا على سلاسل الإمداد العالمية. وإذا استمر تعطل مضيق هرمز، فسوف تتدهور لفترة طويلة أوضاع مضيق باب المندب، وتتصاعد آثار التفاف ناقلات النفط، وارتفاع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف النقل في آسيا في شكل متزامن، لتتحمل الأسواق العالمية مجتمعة فاتورة هذه الحرب. حاليًا، يبحث كل من الولايات المتحدة وباكستان والصين وإسرائيل ودول أوروبا عن موقعه، لكن دون آلية تنسيق موحدة. تواجه السعودية ضغطًا مزدوجًا يتمثل ليس فقط في ثغرات الدفاع الجوي، بل كذلك في العزلة الدبلوماسية وانقطاع إمدادات الطاقة. وفي المقابل، نجح الحوثيون عبر السيطرة على «عنق» البحر الأحمر في تحويل صراع محلي إلى رافعة اقتصادية عالمية، ما يجبر الجميع على موازنة صعبة بين الأمن والمصالح.
تابعني، وفي المنشور التالي قراءة سريعة للصفحة لن تفوتك.
في فجر يوم 19 سبتمبر، تمزقت سماء الرياض بإنذارات دفاع جوي. وهذه الضجة كانت بمثابة علامة على تحوّل جذري في طبيعة أزمة البحر الأحمر. خلال الأشهر الماضية، كان النزاع يتجلى في المقام الأول على شكل ضربات أحادية من سلاح الجو السعودي لأهداف داخل اليمن، بينما كانت جماعة الحوثيين تتحمل الضغوط على أرضها. أما الآن، فقد امتدت الجبهة إلى عمق السعودية؛ إذ يهدد الحوثيون العاصمة السعودية ومفاصل الطاقة من خلال توليفة صواريخ وطائرات مسيرة. هذا الانتقال من «احتكاك حدودي» إلى «ردع في العمق» لا يخلّ بتوازنات أمن المنطقة فحسب، بل يضع السعودية كذلك في حالة سلبية غير مسبوقة على المستويين الدبلوماسي والعسكري. وفي الوقت نفسه، تكشف التدخلات العاجلة من الدول الأوروبية، وخاصة إيطاليا، أن الصراع قد تجاوز نطاق السياسة الجيوسياسية ليضرب مباشرة الأعصاب الحاكمة لسلاسل توريد الطاقة عالميًا.
تتميز التحركات العسكرية الأخيرة للحوثيين باستهداف استراتيجي واضح. ويتمثل جوهر منطقهم في تحويل السيطرة على اليابسة إلى ورقة ضغط في البحر، ثم ممارسة ضغط شامل على السعودية. وعلى جبهة البر، يتقدم الحوثيون على طول الساحل على البحر الأحمر نحو الجنوب، ويعلنون الاستحواذ خلال فترة قصيرة على نحو 5400 كيلومتر مربع من مناطق سيطرة جديدة، تشمل نقاطًا محورية قرب مضيق باب المندب مثل المخا وزبيد وجزيرة بيلين وغيرها. ولا يُعد هذا التقدم مجرد توسع إقليمي، بل يهدف إلى امتلاك قدرة على إسقاط النيران عند مدخل البحر الأحمر. وفي البحر وجبهة الطاقة، تعتمد السعودية منذ فترة طويلة على خطوط أنابيب النفط الممتدة من الشرق إلى الغرب لتجاوز مخاطر مضيق هرمز، حيث تعبر الخامات النفطية من حقولها الشرقية مسافة تقارب 1200 كيلومتر إلى ميناء ينبع في البحر الأحمر. لكن ضرب الحوثيين لمنشآت «أرامكو» السعودية في ينبع يعني أن هذا «المسار البديل» بات بدوره معرضًا للمخاطر. والأكثر إثارة للقلق هو أن مدى ضربات الحوثيين يتوسع من جيزان وحدود نجران تدريجيًا وصولًا إلى الطائف وينبع، حتى إلى الرياض. إن هذا الاختراق من الخارج إلى الداخل يرفع التهديد الأمني من مستوى مشكلة حدودية إلى أزمة طاقة، ثم يتطور في النهاية إلى قضية أمن سياسي على مستوى العاصمة. وبناءً على ذلك، حوّل الحوثيون成果 العسكرية إلى مطالب سياسية، وأعادوا إدراج جيزان ونجران وعسير في ورقة المطالب الإقليمية، محاولين إجبار السعودية على دفع تكاليف أعلى في قضايا الأمن والاقتصاد وحتى الأراضي، اعتمادًا على تفوقهم في ساحة القتال.
إزاء ضغوط متعددة الخطوط، أطلقت السعودية استراتيجية «الطريق إلى طلب المساعدة من أربع جهات»، لكن كل طريق يواجه صعوبات واقعية. يتمثل الطريق الأول في الولايات المتحدة؛ إذ سبق لولي العهد سلمان أن طلب من إدارة ترامب تدخلًا عسكريًا مباشرًا، لكن الجانب الأمريكي وافق فقط على تقديم دعم لمشاركة المعلومات وتحديد الأهداف، مع رفض المشاركة في القتال بشكل مباشر، واستمر في الحفاظ على تواصل مع عُمان ومع الحوثيين. تعكس هذه المواقف «مساعدة في الحماية لا في القتال» رغبة واشنطن في عدم العودة إلى مستنقع حرب اليمن، رغم أنها رفعت مستويات التحذير من المخاطر الإقليمية، كما أن ترامب أنهى مبكرًا جولة دافوس للعودة إلى البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن محدودية التعهدات العسكرية كانت واضحة. أما الطريق الثاني فيتمثل في طلب دعم الشركاء التقليديين؛ إذ أعلنت القوات المسلحة الباكستانية أنها «ستدافع بكل ما يلزم»، خصوصًا عن أمن مكة والمدينة، كما عبّرت فرنسا وبريطانيا ومصر وتركيا عن استعداد لدعم الاحتياجات المتعلقة بالدفاع الجوي أو المتطلبات العسكرية. غير أن توفير المعدات والمعلومات، مع اختلافه الجوهري عن إرسال قوات مباشرة، يعني أن السعودية تفتقر فعليًا إلى «قوة برية» تشارك في تحمل كلفة الحرب. الطريق الثالث لافت بدرجة كبيرة؛ إذ تناقش السعودية عبر قنوات القيادة المركزية الأمريكية مع إسرائيل معلومات استخبارية وتعاونًا في الدفاع الجوي. لم يكن هذا التحرك بهدف دفع تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، بل بدافع احتياجات أمنية واقعية: ففي ظل كثافة إطلاق الحوثيين للصواريخ، تحتاج السعودية إلى دعم تقني بخبرات ناضجة في مكافحة الصواريخ، والضغوط الأمنية أجبرتها على إعادة حساب التكلفة السياسية. أما الطريق الرابع فهو طلب وساطة الصين؛ إذ لجأت السعودية إلى بكين، لكنها لا تبحث عن ضربات عسكرية، بل تريد الاستفادة من قنوات التواصل لدى الجانب الصيني مع إيران لمنع انزلاق الأزمة إلى صراع أوسع. وخلال لقاء وانغ يي مع وزير خارجية إيران، علي أكبر عراقجي، أكد بوضوح أنه لا رغبة في تمدد التوترات إلى اليمن والبحر الأحمر. وهذا يعكس الفارق الجوهري بين خطّي المساعدة الأمريكي والصيني: تقدم الولايات المتحدة منظومة دفاع «بقوة صلبة»، بينما تقدم الصين جسور تواصل «بقوة ناعمة»، وبذلك يشكلان معًا لوحة متكاملة تساعد السعودية على مواجهة الأزمة.
وقد أدى تطور المشهد إلى تفاعلات متسلسلة في أسواق الطاقة العالمية، وكانت أوروبا الأكثر مباشرة تحت الضغط. إذ طلب وزير الدفاع الإيطالي كروسيتو من البحرية الاستعداد لعمليات في مضيق باب المندب، مع التفكير في الدفع بما يصل إلى 4 سفن لتعزيز المرافقة؛ ودافعه الأساسي حماية المصالح الاقتصادية لبلاده. كما أبلغت «أرامكو السعودية» بعض عملائها الأوروبيين الدائمين بأنه في شهر أكتوبر لن تتمكن من توريد النفط الخام وفق العقد الأصلي. وفي الوقت نفسه، يستورد أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا في المتوسط نحو 577 ألف برميل يوميًا من السعودية هذا العام في شهر يونيو. ومع تعرض خطوط الأنابيب الممتدة من الشرق إلى الغرب للهجوم وتعطل صادرات البحر الأحمر، أُجبرت المصافي الأوروبية على إعادة شراء الخام من السوق الدولية، ما أدى إلى ارتفاع شامل في تكاليف الشحن والتأمين وشراء النفط الخام، لتتحول في النهاية إلى فواتير تتحملها الشركات والمستهلكون. وهذا يبين أن الصراع لم يعد مجرد شأن داخلي إقليمي، بل صار خطرًا منهجيًا على سلاسل الإمداد العالمية. وإذا استمر تعطل مضيق هرمز، فسوف تتدهور لفترة طويلة أوضاع مضيق باب المندب، وتتصاعد آثار التفاف ناقلات النفط، وارتفاع أقساط التأمين، وزيادة تكاليف النقل في آسيا في شكل متزامن، لتتحمل الأسواق العالمية مجتمعة فاتورة هذه الحرب. حاليًا، يبحث كل من الولايات المتحدة وباكستان والصين وإسرائيل ودول أوروبا عن موقعه، لكن دون آلية تنسيق موحدة. تواجه السعودية ضغطًا مزدوجًا يتمثل ليس فقط في ثغرات الدفاع الجوي، بل كذلك في العزلة الدبلوماسية وانقطاع إمدادات الطاقة. وفي المقابل، نجح الحوثيون عبر السيطرة على «عنق» البحر الأحمر في تحويل صراع محلي إلى رافعة اقتصادية عالمية، ما يجبر الجميع على موازنة صعبة بين الأمن والمصالح.
تابعني، وفي المنشور التالي قراءة سريعة للصفحة لن تفوتك.
