تتَفَكَّك الجمود بين إيران وأمريكا… انهيار أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار

تتأرجح الساعة الجيوسياسية في الشرق الأوسط مجددًا بعنف، وتتبدّل مشاعر السوق بسرعة بين الخوف والترقّب. ففي الفترة الأخيرة، ومع دخول المواجهة بين إيران وأمريكا مرحلة حرب الاستنزاف، تجاوز سعر النفط الدولي في وقت ما حاجز 100 دولار للبرميل، ما أثار قلقًا عالميًا من التضخم. غير أن أحدث التطورات الدبلوماسية تُظهر بوادر انفراج في هذا الجمود. وبحسب ما نقلته قناة “تلفزيون الصين المركزي” عن مطّلعين إيرانيين، فإن قطر وباكستان—بوصفهما طرفين وسيطين—أرسَلتا إلى طهران إشارات مفادها أن واشنطن مستعدة لإعادة بدء المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، وأنها تتعامل بجدية مع دفع هذه العملية إلى الأمام. والتقطت السوق هذه الأنباء بسرعة، فانخفض سعر النفط الدولي على الفور. وبالنسبة لبلنطقة الشرق الأوسط التي تعيش منذ مدة تحت ضغط مرتفع، لا يُعد هذا مجرد “أنفاس” على المستوى الدبلوماسي، بل هو أيضًا إعادة تسعير لعلاوة المخاطر الجيوسياسية.

وعند استعراض تطور هذه الجولة من الصراع، ظلّ جوهر الخلاف يدور دائمًا حول “مذكرة تفاهم إسـلام أباد”. في السابق، تعامل الجانب الأمريكي ببرود مع المذكرة، وشنّ ضربات عسكرية متتالية ضد إيران. وردّت إيران بإغلاق مضيق هرمز وتنفيذ هجمات انتقامية على أهداف أمريكية. وفي الوقت نفسه، تصاعدت بشكل ملحوظ هجمات جماعة الحوثيين في البحر الأحمر وعلى الأراضي السعودية، إذ شهد مطار الرياض—في 19 سبتمبر—تصاعدًا كثيفًا للدخان، وتدهورت الأوضاع الأمنية بسرعة. وقد أدّى هذا المشهد المتمثل في “حرب متعددة الجبهات” إلى زيادة الضغوط على جميع الأطراف. وصرّح أمين سرّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، رضايي، في مقابلة مع قناة الجزيرة في 19 سبتمبر، بأن إيران تجري مشاورات مع باكستان وقطر، وأن قطر أحالت “شروط” الجانب الإيراني إلى واشنطن، بينما تنتظر حاليًا رد حكومة ترامب. وتشمل هذه الشروط إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وإطلاق الأموال المجمدة، وإنهاء الحصار البحري. ومن الجدير بالملاحظة أنه رغم توتر الأوضاع، لم تعلن إيران الانسحاب من “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، حيث أكد رضايي أن هذا القرار يعتمد على سلوك واشنطن. وتعكس هذه المواقف “القتال مع التفاوض” رغبة الطرفين في الإبقاء على مساحة لحل سياسي نهائي.

ومن منظور المنطق العميق، فإن ما يدفع الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات لا يتمثل في مجرد حسن نية، بل في كلفة واقعية لا يمكن تحمّلها. أولًا، جفاف الموارد المالية والعسكرية. إذ كشف الاتجاه العسكري الأمريكي للكونغرس أنه حتى 3 سبتمبر، سبّبت العمليات العسكرية ضد إيران ما لا يقل عن 45.1 مليار دولار من المصروفات، أي ما يعادل أكثر من 300 مليار رنمينبي. ولا تشمل هذه الفاتورة الضخمة التكاليف الخفية مثل خسائر الحلفاء وأعداد الضحايا وخسائر السمعة. والأشد قسوة هو نفاد الذخائر لدى الولايات المتحدة، ولا سيما صواريخ الدفاع الجوي، إذ تم استهلاك أكثر من نصفها خلال أشهر من الاشتباكات، بل وحتى ظهرت حالات صواريخ لم تُعترض لأنها لم تُؤخذ قرارًا بإطلاق الاعتراض عليها. ثانيًا، ارتداد اقتصادي. إن قفز أسعار النفط يضرب مباشرة معيشة الأمريكيين، خصوصًا الأسر التي تعتمد على السيارات العاملة بالوقود. وفي السياق السياسي الأمريكي، تُعد أسعار النفط المرتفعة عدوًا شرسًا للحزب الحاكم؛ وإن خسر الجمهوريون في الانتخابات النصفية، فإن مساحة السياسات المتاحة لترامب في النصف الثاني ستُضغط بشكل كبير. وأخيرًا، خطر لا نهائي لتوسع الحرب. إن المواجهة الحادة بين الحوثيين والسعودية تجعل الولايات المتحدة في مأزق من احتمال الانخراط في حرب إقليمية أوسع نطاقًا. وبما أن السعودية—بوصفها حليفًا أمريكيًا—يهدد أمنها الداخلي، تُجبَر الولايات المتحدة على إعادة تقييم عمق وتوسّع مستوى التدخل. وفي ظل هذه الضغوط الثلاثية “لا يمكن الدفع، ولا يمكن الاستنزاف، ولا يمكن الخسارة”، تصبح المفاوضات المخرج الوحيد الممكن.

وخلال هذه العملية، يعد دور الوسطاء من طرف ثالث حاسمًا. تعمل باكستان وقطر—كوسيطين تقليديين—على التنقل بين البلدين ذهابًا وإيابًا، سعْيًا إلى بناء جسر للتواصل. بالإضافة إلى ذلك، تجدر الإشارة إلى تحركات الصين الدبلوماسية. قبل ثلاثة أيام، قام وزير الخارجية الإيراني، أراقتشي، بزيارة إلى الصين، وخلال اللقاء، شجّع وانغ يي بشكل واضح إيران والولايات المتحدة على التحلي بالعقل وضبط النفس، والعودة في أقرب وقت إلى “مذكرة تفاهم إسـلام أباد” وإعادة بناء آلية المفاوضات. إن هذه الاستراتيجية الدبلوماسية المتمثلة في “تقديم درجة” بدل “تقديم سكين”، وفّرت هامشًا للتخفيف من حدة الجمود. وقبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يمنح الجانب الأمريكي الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة للولايات المتحدة، لكنه سمح بدخول الرئيس الإيراني بزهكيان إلى الأراضي الأمريكية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تبدو متناقضة، فإنها في الواقع تكشف عن توازن دقيق يسعى فيه الجانب الأمريكي إلى الحفاظ على هيبة الهيمنة من جهة، وإلى إيجاد مخرج دبلوماسي من جهة أخرى.

وبالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن تمضي العلاقات بين إيران وأمريكا في نمط من “الشد والجذب بين القتال والتفاوض”. فالمنعطفات التاريخية نادرًا ما تحدث فجأة، وغالبًا ما تتقدم ببطء عبر التجارب المتكررة. وبالنسبة للمراقبين، لا يكفي الحكم على مسار الأوضاع من خلال دويّ المدافع فقط؛ بل ينبغي أيضًا التركيز على ثلاثة مؤشرات صلبة: دفاتر التكاليف، وأسعار النفط، والأصوات الانتخابية. إن عملية انتقال سعر النفط من 70 دولارًا إلى 100 دولار ثم عودته للانخفاض تعكس بوضوح تغير توقعات السوق لشدة الصراع في المستقبل. ورغم ظهور مؤشرات تهدئة، فإن سِمة الشرق الأوسط “سلامٌ بين حربين” لم تتغير. إذ تتسبب الحرب في خسائر فادحة لدى دول إقليمية كالسعودية، وتتراكم باستمرار الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة، كما يعاني الاقتصاد الإيراني داخل البلاد من جراحات متعددة. لذلك لا يملك أي طرف قدرة على الحفاظ طويلًا على مواجهة عالية الشدة. ومن ثم، فإن التفاؤل الحذر هو الموقف الأكثر عقلانية في الوقت الراهن. علينا أن ندرك أن السلام ليس إعدادًا افتراضيًا للعالم، بل هو توازن ديناميكي يتوصل إليه الأطراف بناءً على حسابات المصالح وضغوط البقاء. وفي ظل خلفية تتصاعد فيها الاضطرابات عالميًا، فإن الحفاظ على وعي اليقظة تجاه المخاطر، وفهم “دفاتر” الاقتصاد والسياسة خلف الجغرافيا السياسية، أغلى قيمة بكثير من مجرد تفريغ انفعالي. وفي النهاية، مهما كانت مسارات التفاوض وعقباتها، فإن العودة إلى العقلانية وضبط حجم الصراع يظل الخيار المشترك الذي يخدم مصالح جميع الأطراف على أفضل نحو.

تابعني، وفي المرة القادمة اقرأ بسرعة لوحة الأحداث دون أن تفوّت شيئًا.