يُصرّح ترامب بشكل متكرر بأن حرب أميركا مع إيران ستنتهي سريعاً.. فما الحسابات السياسية وراء ذلك؟

في الآونة الأخيرة، ظهرت في الخطاب الدبلوماسي لواشنطن ظاهرة لافتة تتمثل في «التكرار عالي الوتيرة». الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرسل مراراً، في مناسبات عامة متعددة، بما فيها تجمعه الانتخابي في ولاية كارولاينا الشمالية، الإشارة نفسها إلى الخارج: إن الصراع العسكري بين أميركا وإيران يوشك على الوصول إلى نهايته. ليست هذه التصريحات مجرد انفلات من التفاؤل، بل إنها تحمل بناءً سردياً سياسياً شديد الغرض. فترامب لا يكتفي بادعاء أن الجانب الإيراني يسعى بإلحاح إلى إبرام اتفاق، بل يلمّح أيضاً إلى أن الطرف الإيراني تواصل معه مباشرة لطرح رغبة في التفاوض.

لكن، عند وضع هذا الكلام ضمن سياق مزدوج يتمثل في الدورة السياسية الداخلية للولايات المتحدة والواقع الجيوسياسي، يتضح أنها تبدو أقرب إلى عرض خطة انتخابية محسوبة بعناية، وليس حكماً موضوعياً مبنياً على موازين ساحة القتال. إن ربط نقطة النهاية للعمل العسكري ارتباطاً وثيقاً بانتخابات التجديد النصفي في منتصف نوفمبر، يكشف أن القرار الدبلوماسي بات يُساق على نحو متزايد تحت إملاء التقويم السياسي الداخلي. لم يعد مصير الحرب محكوماً فقط بنتائج المعارك في الميدان، بل يخدم بالأساس احتياجات ترسيخ السلطة داخل البيت الأبيض.

ومن زاوية البيانات والوقائع، فإن «سردية وقف إطلاق النار» لدى ترامب تخدم بصورة رئيسية ثلاثة أهداف سياسية-اقتصادية محددة. أولاً: تخفيف قلق الناخبين من التضخم المرتفع. ومع استمرار النزاع لأكثر من نصف عام، أصبحت أسعار الطاقة العامل الحاسم الذي يضغط على ميزانيات الأسر الأميركية العادية. ففي منتصف سبتمبر، بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4.15 دولاراً للغالون، مسجلاً رقماً قياسياً جديداً منذ عطلة عيد العمال؛ كما عادت أسعار النفط العالمية لتتجاوز مجدداً مستوى 100 دولار للبرميل. وانتقلت هذه الزيادة سريعاً إلى قطاعات النقل والغذاء والمواد الكيميائية، ما أدى مباشرة إلى تقليص القوة الشرائية للناخبين. إن تركيز ترامب المتكرر على أن الحرب ستنتهي قريباً هو في جوهره وعد للناخبين بأن «المعاناة مؤقتة»، ومحاولة لتعويض الأثر السلبي المحتمل على نتائج الانتخابات جراء ارتفاع أسعار النفط عبر إدارة التوقعات.

ثانياً: خدمة التغليف السياسي للانتخابات النصفية. صرّح ترامب مراراً وبوضوح أن الحرب ستنتهي فور انتخابات نوفمبر. اختيار هذا التوقيت بالغ المهارة: الحفاظ على موقف متشدد قبل يوم التصويت لتجنب اتهامات خصومه له بأنه «لين» تجاه إيران؛ ثم بعد يوم التصويت دفع وقف إطلاق النار بسرعة، بحيث تُقدَّم نهاية الصراع بوصفها إنجازاً حازماً في سجله كرئيس. وبهذا المعنى، فإن نموذج «الدبلوماسية وفق إيقاع يوم الانتخابات» يجعل وتيرة الدبلوماسية تستسلم بالكامل لوتيرة الحملة الانتخابية.

ثالثاً: إنها حرب نفسية إعلامية منخفضة التكلفة. من خلال الادعاء بأن إيران «تُدمَّر» وأنها «تريد التفاوض بإلحاح»، يحاول ترامب خلق توقع في ساحة الرأي بأن الولايات المتحدة في موقع تفوق مطلق، وأن إيران على حافة الانهيار. لا تتطلب هذه السردية زيادة استثمارات عسكرية إضافية؛ فمجرد الصراع على حق الكلام يكفي لاستنزاف أوراق الخصم التفاوضية نفسياً، وفي الوقت نفسه إظهار موقف «عدم الاستسلام» أمام الناخبين من المحافظين داخل البلاد.

لكن، عندما نجرّد هذه الخطابات السياسية من قشرتها البلاغية، تظهر فجوة هائلة بين المشهد الجيوسياسي الحقيقي وبين سيناريو ترامب المتفائل. الجانب الإيراني لم يُظهر أي علامات على التنازل؛ بل إنه يواصل التمسك بمواقفه ورفض التراجع في شروط التفاوض. أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، رضايي، دحض ادعاءات ترامب مباشرة، وحذّر من أن تتشتت الانتباه بسبب إشارات متناقضة بين البداية والنهاية، وحدد بوضوح شروط التفاوض: يجب على الولايات المتحدة أن توقف العمليات العسكرية بالكامل، وأن ترفع الحصار البحري، وأن تفك تجميد الأصول، وأن تنسحب إسرائيل من لبنان، وأن توقف التدخل في قدرات إيران النووية وأبحاثها المتعلقة بالصواريخ. وحتى الآن، لم تلبِّ الولايات المتحدة أي شرط من هذه الشروط.

وفي الوقت نفسه، لم يتحسن وضع ساحة القتال؛ بل تدهور بصورة مستمرة في سبتمبر. فقد تحولت مضيق هرمز، بوصفه الممر الحرج لحوالي خُمس تجارة النفط العالمية، إلى بؤرة الصراع. وصرّح الحرس الثوري الإيراني بأن ضربات استهدفت سفناً تابعة للبحرية الأميركية وسفن النفط، وكذلك السفن التجارية التي حاولت عبور المنطقة المحظورة. وبالمقابل، قامت القوات الأميركية بتدمير 10 ناقلات نفط إيرانية. وتُظهر هذه المواجهة عالية الشدة أن الطرفين على الأرجح في مرحلة استنزاف عسكري حاد، لا في الليلة السابقة لوصولهم إلى طاولة التفاوض.

والأشد خطورة أن كلفة الحرب تلتهم بسرعة موارد مالية أميركية. تشير تقارير مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي (CBO) إلى أن التحرك ضد إيران استهلك نحو 38 مليار دولار، وإذا استمرت الحرب فسيتعين إضافة 3 مليارات دولار شهرياً. لا يقتصر هذا الإنفاق الضخم على ضرب الميزانية الفيدرالية مباشرة فحسب، بل يتحول عبر ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضغوط تضخمية داخلية، فينشأ حلقة مفرغة. بالنسبة إلى الأسرة الأميركية العادية، تبدو الفاتورة أكبر على أرض الواقع، بينما تبدو «الانتصارات» التي يتحدث عنها ترامب باهتة أمام واقع العجز المالي.

خلاصة القول: إن تصريحات ترامب حول أن «الحرب على وشك الانتهاء» ليست في جوهرها سوى مسرحية سياسية تخدم الانتخابات الداخلية، وليست تقديراً دقيقاً للواقع الجيوسياسي. منطقها الأساسي يتمثل في استخدام دورة الانتخابات لتحديد نهاية الدبلوماسية، ومحاولة تحويل القضية العسكرية إلى جزء من سردية الحملة بهدف تهدئة مشاعر الناخبين وتشكيل صورة قوية. لكن هذه الاستراتيجية تتضمن مخاطر سياسية شديدة. فإذا انتهت انتخابات نوفمبر دون أن تتوقف الحرب كما كان متوقعاً، أو إذا استمرت إيران في موقفها المتشدد ورفض التنازل، فستتحول كل تعهدات ترامب السابقة إلى مادة قوية في هجوم المعارضة عليه بتهمة «اختلاف القول عن الفعل» و«فشل الدبلوماسية».

ومن الواضح أن إيران لن تعمل وفق السيناريو الذي رسمته واشنطن. فاستمرارها في سياسة الصمود يجعل نافذة وقف إطلاق النار صعبة الانفتاح على المدى القريب. والقرار الحقيقي لمصير الصراع بين أميركا وإيران لا يتحدد أبداً بالتصريحات الشفهية من البيت الأبيض، بل بمدى قدرة الطرفين على إيجاد نقطة تقاطع قابلة للتنفيذ في المصالح الجوهرية مثل الخطة النووية، وتأثير كل طرف في المنطقة، وملف رفع العقوبات. ومع غياب الثقة المتبادلة وتزايد حدة المواجهة العسكرية، لا يمكن إنهاء الحرب بمجرد الخطاب السياسي. إن تطور الوضع مستقبلاً سيتوقف على موعد بلوغ كلفة الحرب حدّاً يدفع إلى مراجعة استراتيجية، لا على تقليب صفحات تقويم الانتخابات. بالنسبة للمراقبين، فإن الحذر من هذا النوع من «الخط الزمني السياسي» الذي يُشوّه «الواقع العسكري» أمر بالغ الأهمية؛ وأي توقعات لوقف إطلاق النار مبنية على دورة انتخابية، دون اختراق دبلوماسي جوهري، ستفشل على الأرجح.

تابعني، وفي المرة القادمة سأقدّم قراءة سريعة لما يجري في المشهد دون أن تفوتك أي نقطة.