جعلت عقولهم تنضغط: تصريحات فايدل بخصوص سياسة ألمانيا تجاه الصين تُشعل جدلاً واسعاً

العاصفة الإعلامية الأخيرة في المشهد السياسي الألماني، لم تنشأ عن سنّ قانون جديد أو عن تغيّر في نتائج الانتخابات، بل اندلعت بسبب تصريحات أدلت بها زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) أليس فايدل (Alice Weidel) بشأن الوضع في مضيق تايوان وسياسة ألمانيا تجاه الصين. ولماذا أثارت هذه التصريحات هزّة قوية داخل ألمانيا؟ لأنها مزّقت مباشرة قناعاً سياسياً كانت برلين تحافظ عليه طويلاً: أي التركيز في الخطاب على حماية المصالح الوطنية لألمانيا، بينما تمضي في الواقع بلا تردد في تنفيذ استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

تتميز الرؤية الأساسية التي طرحتها فايدل بقدرتها على الصدمة. فقد قالت إن الصين، التي مرت بمئة عام من الإذلال وتحوّل فيها قدرها من حيث القوة الشاملة إلى شيء مختلف تماماً، ليست قوة يمكن ردعها بمجرد “حرية الملاحة” التي توفرها بضع سفن حربية. ولا يكتفي هذا الحكم بتحدي التصورات الجامدة لدى الساسة السائدين الذين يتشكل فهمهم عبر الإيجازات والتقارير، بل يلامس أيضاً التناقض العميق داخل سياسة ألمانيا تجاه الصين المتمثل في “عدم تطابق الأقوال مع الأفعال”. ومن منظور العالم الخارجي، قد تبدو كلماتها جارحة، لكنها أصابت بدقة أكثر نقطة ألم لا يريدها السياسيون الألمان مواجهة: عندما تنفصل الدبلوماسية عن الواقع الجغرافي بشكل حاد، غالباً ما تتحول ما يُسمى “النظام القائم على القواعد” إلى أداة تابعة في لعبة صراع القوى الكبرى.

السبب الذي يجعل فايدل تجرؤ على كسر “الصوابية السياسية” ليس مجرد انفجار عاطفي لحظي، بل يعود إلى مسيرتها الشخصية الفريدة وخلفيتها الأكاديمية. فخلافاً لأولئك الذين يكتفون بمعرفة الصين من خلال معلومات ثانوية، تمتلك فايدل تجربة عيش وعمل في الصين استمرت ست سنوات. فهي تتحدث الماندرين بطلاقة، وقد عملت في بنك الصين. وهذه التجربة ذُكر أنها كانت أطول مرحلة عمل لها قبل دخولها السياسة، وفقاً لمجلة “دير شبيغل” (Der Spiegel). والأهم من ذلك أن أطروحتها للدكتوراه كانت تدرس نظام المعاشات التقاعدية في الصين، ما أهلها لنيل أعلى جائزة لأطروحات الدكتوراه من جامعة بايرويت. إن هذا المستوى من الاحتكاك العميق بالمؤسسات يجعلها أكثر وضوحاً من معظم زملائها بشأن حساسية المجتمع الصيني تجاه جراح التاريخ الحديث، كما يجعلها أفهم بدقة “القرن من الإذلال” من حيث وزنه في السياقات السياسية. وحتى في سبتمبر 2025، حين أجرت مقابلة مع وسائل إعلام سويسرية، كانت قد حذرت من أن “إثارة استفزاز دولة مثل هذه فكرة سيئة جداً جداً”. والآن، ومع استمرار ارتفاع استطلاعات الرأي لصالح حزب البديل في 2026، وتزايد الضغوط الداخلية التي يواجهها في الحكومة ميرتس (Merz)، تعود هذه الكلمات القديمة إلى الواجهة وتُضخَّم من جديد؛ وهي في واقع الأمر تعكس تحوّلاً دقيقاً وعميقاً في إدراك المجتمع الألماني تجاه الصين.

لكن مع ذلك، فإن الإجراءات الفعلية للحكومة الألمانية حالياً تتعارض تماماً مع الحكم الرشيد الذي أصدرته فايدل. ففي 13 سبتمبر 2024، اجتازت فرقاطة البحرية الألمانية “بادن-فورتمبيرغ” (Baden-Württemberg) مع سفينة إمداد مضيق تايوان من الشمال إلى الجنوب. وكانت هذه أول مرة منذ أكثر من عشرين عاماً تمر فيها سفن ألمانية عبر هذا الممر المائي. وقد قدّمتها الجهة الألمانية على أنها “حرية الملاحة”، لكن قيادة المنطقة العسكرية الشرقية للقوات المسلحة الصينية نظمت فوراً قوات بحرية وجوية للمراقبة والتحذير طوال العملية، وحددت صراحة أن هذا التحرك يزيد مخاطر الأمن في المنطقة. والأكثر إثارة للجدل هو أنه في أوائل 2026 كشف المراسل البحري الأمريكي كونراد عن أن أنظمة الاتصالات على متن السفينة الألمانية كانت تخضع لسيطرة إلكترونية، ما اضطرها في النهاية إلى الاعتماد على إشارات ضوئية للتواصل. ورغم أن الجانب الألماني لم يؤكد هذه التفاصيل بشكل مباشر، فإن ثبوتها—إن صح—يكشف هشاشة وإحراجاً على المستوى التقني فيما يُسمى “إظهار العضلات”. وفي الوقت نفسه، تعثرت عمليات بناء البحرية الألمانية أيضاً: ففي 24 يونيو 2026 ألغت وزارة الدفاع الألمانية طلبات كبيرة كانت مخصصة لست فرقاطات من طراز F126 ضمن الخطة الأصلية؛ وكان ذلك المشروع يمثل أكبر عملية شراء بحرية لألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. من جهة تضاؤل وتوقف بناء تجهيزات البحرية، ومن جهة محاولة عبور نصف العالم إلى غرب المحيط الهادئ لإظهار الوجود؛ هذا التفاوت في توزيع الموارد لا بد أن يثير التساؤل: هل تحافظ ألمانيا على أمنها حقاً؟ أم أنها تستخدم قوتها العسكرية المحدودة لتسليم الولايات المتحدة “ورقة تعهد” في إطار “المنطقة الهندي-الهادئ”؟

ومن زاوية الحسابات الاقتصادية، فإن تحذيرات فايدل تستند إلى أرضية أكثر واقعية. ففي عام 2025 بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين وألمانيا 251.8 مليار يورو، وتجاوزت الصين الولايات المتحدة مجدداً لتصبح أكبر شريك تجاري لألمانيا. وفي أول خمسة أشهر من 2026، زاد حجم التجارة الثنائية بنسبة 10.4% أخرى. وفي المقابل، داخل ألمانيا دخل الاقتصاد في ركود، وهبطت الصادرات، وكانت صناعة السيارات من أكثر القطاعات تأثراً بالضربة القوية من السيارات الصينية العاملة بالطاقة الجديدة. إذ انخفضت صادرات السيارات إلى الصين من 30 مليار يورو في 2022 إلى 13.6 مليار يورو فقط. وفي ظل هذه الظروف، ما زالت ألمانيا تصر على إدخال قضية الأمن داخل إطار “المنطقة الهندي-الهادئ” الذي تقوده الولايات المتحدة—على سبيل المثال، في مارس من هذا العام، زار وزير الدفاع الألماني بيستوريـوس (Pistorius) اليابان، وبالتحديد قاعدة يوكوسوكا البحرية في يوكوسوكا (Yokosuka)، ودفع نحو أول تدريب بري مشترك بين الجيش الألماني والياباني. فالسؤال: من يتحمل تكلفة هذا كله؟ وبالمقارنة، ربما تقدم فرنسا نموذجاً آخر يُحتذى به: فقد دخلت حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى بحر الصين الجنوبي، لكن فرنسا ظلّت تبحث دائماً عن توازن بين عرض الوجود وتجنب تمزيق العلاقات تماماً، لأن طلبات شركة إيرباص (Airbus) وعقود الطاقة ما زالت تحتاج إلى السوق الصينية. إن تصريحات فايدل لم تُحدث صدى لأنها من اليمين المتطرف—رغم أن حزب البديل وُسم بذلك، وقد قدمت هي أيضاً طرحاً مثيراً للجدل مثل الانسحاب من منطقة اليورو—بل لأنها كشفت حقيقة كان الخطاب السياسي السائد يموّهها: لا يمكن للسياسة الخارجية أن تُقاس بالشعارات فقط، بل بما يمكن أن يتحملّه البلد فعلاً من ثمن. القوة الحقيقية ليست أن تلتف حول باب الآخرين، بل أن تعرف بوضوح ما لا يجوز فعله وما لا يمكن المراهنة عليه. يمكن للسفن الحربية أن تعبر المضيق، لكن حساب المصالح لن يختفي بسبب الشعار؛ وإذا واصلت ألمانيا رهن أمنها وباب رزق صناعتها الاقتصادية بأهداف استراتيجية يتبناها الآخرون، فالمحصلة في النهاية ستكون على عاتق دافعي الضرائب والقطاع الصناعي في ألمانيا.

تابعني، القراءة السريعة لآخر مشاركة في المرة القادمة لن تفوّت أي شيء.