يثير العثور على بقايا صاروخ باليستي من طراز “DF-15A” في صحراء بمديرية لاغِفان بمُحافظة مأرب في اليمن، جدلًا، في حين تسعى السعودية إلى وساطة الصين، وهو ما يعكس تحوّلًا في المشهد الأمني بالشرق الأوسط
لقد دفعت تعقيدات الوضع في اليمن مؤخرًا إلى الواجهة صراعًا عميقًا داخل بنية الأمن في الشرق الأوسط. ففي حوالي 14 سبتمبر/أيلول، تم العثور في صحراء منطقة لاغِفان بولاية/محافظة مأرب على بقايا جزء مُعزِّز (دفعة/صاروخ مساعد) لصاروخ باليستي، حيث كانت على جسمه كتابة واضحة “DF-15A” إضافة إلى رقم تسلسلي/رقم المصنع. وقد أثارت هذه التفاصيل جدلًا واسعًا ونقاشًا في وسائل التواصل الاجتماعي ومجالات الاستخبارات مفتوحة المصدر. ورغم أن عدة حسابات تحليلية أشارت إلى أن ملامح هذه البقايا تتطابق مع جزء دفع صاروخ باليستي قصير المدى من طراز “دونغفِنغ-15A” المصنَّع في الصين، فإن هذا الاستنتاج يثير تشكيكًا كبيرًا من زاوية المنطق العسكري والأعراف الدبلوماسية. أولًا، يُعدّ “DF-15A” صاروخًا تكتيكيًا قصير المدى، تبلغ قدرته/مداه نحو 600 كيلومتر، ولا تتوافق نواياه التصميمية مع استهداف أهداف في مناطق جبلية أو أهداف من نمط حرب العصابات؛ كما أن استخدام السعودية لهذا النوع من الأسلحة سيكون غير عقلاني من حيث كلفة-فعالية تكتيكية. ثانيًا، لا توجد أي سجلات تصدير معلنة لـ “DF-15A”، كما أن العلامات على البقايا لم تُمحَ أو تُستبدل بأرقام محلية سعودية، وهو ما يخالف بشدة الممارسات المعتادة في تجارة السلاح التي غالبًا ما يطلب فيها المشتري تغيير العلامات أو إجراء تعديلات “محلية” على نحو واضح. والأهم من ذلك أن الصواريخ الباليستية، بعد إطلاقها في سيناريو قتالي، عادةً ما تتعرض بقاياها لتلف شديد بسبب الحرارة العالية والانفجار والصدمات، واحتمال بقاء العلامات الأصلية سليمة وواضحة وقابلة للقراءة يُعد منخفضًا جدًا. لذلك، فمن المرجح أكثر أن تكون هذه الواقعة رسالة سياسية مُحكَمة التصميم، وليس مجرد أثر عسكري لعملية ما.
في هذا السياق، أرسلت السعودية إشارة طلب مساعدة إلى بكين، أملاً أن تقوم الصين بنقل رسالة “تقييد” إلى إيران بشأن تقييد/كبح تحركات الحوثيين. وتعكس هذه الخطوة تحولًا عميقًا في مسار اعتماد الأمن لدى السعودية. فبالسابق كانت السعودية تميل عند مواجهة أزمة أمنية إلى طلب دعم الولايات المتحدة أولًا، لكن في ظل أزمة الممرات البحرية في البحر الأحمر واستمرار هجمات الحوثيين، أظهرت واشنطن موقفًا واضحًا من التجنب، لأسباب مرتبطة بضغوط الانتخابات النصفية وتقديرات استراتيجية لتفادي الانجرار إلى “ساحة حرب ثانية في الشرق الأوسط”. وتدرك إدارة ترامب أن غياب “قناة” الصين المؤثرة على إيران قد يؤدي إلى تصعيد أزمة البحر الأحمر أكثر، بما قد يصرف اهتمامها السياسي الداخلي. وفي ظل ما اعتبرته السعودية “غيابًا لخدمة ما بعد البيع” من الجانب الأميركي، اتجهت إلى طلب دور تنسيقي من الصين، بما يعكس تكيّفًا مع تبعية المسار تحت ما يمكن وصفه بـ“عقلية المستهلك”. وفي الوقت نفسه، ورغم أن إيران تنفي علنًا التدخل في شؤون مضيق/بوابة/مضيق باب المندب، وتصرح بأن تحركات الحوثيين لا علاقة لها بها، فإنها—عبر قنوات دبلوماسية مثل زيارة وزير خارجيتها إلى الصين—تُرسل إشارات مزدوجة عبر لعب أدوار “الوجه الأحمر والوجه الأبيض”. أما الحوثيون فقد أظهروا حسابًا سياسيًا دقيقًا: السماح بمرور السفن الصينية، مع مواصلة ضرب حاملات الطائرات الأميركية دون تردد. ويُعد هذا “التمييز” رسالة واضحة مفادها أنهم يعرفون أن “حق التنفس/الممر” في النهاية بيد من. وفي درجات متفاوتة، تنظر سلطنة عُمان وقطر والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول المنطقة إلى الصين بوصفها الطرف الوحيد الذي يتخذ موقفًا محايدًا بشكل نسبي، ويمكنه الحصول على ثقة أساسية من الجميع، مع القدرة على ضمان الالتزامات.
تُظهر هذه السلسلة من التطورات أن منظومة أمن الشرق الأوسط تمر بمرحلة انتقال بنيوي من نموذج “الهيمنة الأحادية” إلى نموذج “تنسيق متعدد الأقطاب”. فمنذ زمن طويل، تعود الشرق الأوسط على “دور رجل الثيل” الذي تقوم به قوى غربية مثل بريطانيا والولايات المتحدة، عبر توفير “سلع عامة” أمنية. غير أن تحويل الولايات المتحدة لأولوياتها الاستراتيجية وتعقيد الصراعات الإقليمية أتاح فشلًا متزايدًا لهذا النموذج التقليدي. ولم تُبدِ الصين اهتمامًا بتعبئة هذا الفراغ والقيام بدور “رجل الثيل” الجديد، لكن تأثيرها في الشؤون الإقليمية لم يعد يمكن تجاهله. فإذا أرادت أي دولة أن تحتل موقعًا محوريًا في بنية أمن الشرق الأوسط، فإن استقرارها سيتعرض لانتكاسة كبيرة دون استشارة الصين. وتحديد الصين لموقعها واضح وكابح: تدخل دبلوماسي دون تدخل عسكري، تدخل في التواصل دون تدخل في المواقف، تدخل في المنصة دون الدخول في المفاوضات المباشرة. وتهدف هذه الاستراتيجية—“تحديد الاتجاه وتقديم المنصة وتعزيز التقدم”—إلى الحفاظ على الحياد، وتجنب جرّها من أي طرف إلى وحل صراع بعينه، وفي الوقت نفسه ضمان عدم المساس بمصالحها الجوهرية.
بالنسبة للصين، فإن هذا الوضع الراهن يمثل اختبارًا للحكمة الدبلوماسية، وفرصة لترسيخ نفوذها في وضع قواعد إقليمية. وفي قضية مضيق/بوابة/باب المندب، يمكن تلخيص الاستراتيجيات المحددة في أربع نقاط: أولًا، الالتزام بنظام الأمم المتحدة كأساس، ورسم خطوط حمراء داخل إطار مجلس الأمن لمنع انزلاق الوضع إلى حرب شاملة، وهذا هو أكبر قاسم مشترك بين جميع الأطراف. ثانيًا، الإبقاء على قنوات التواصل عبر المسارات متعددة الأطراف، بحيث يدرك الجميع أن رقم هاتف بكين يمكن الاتصال به في أي وقت، بشرط أن تُعلن كل الأطراف موقفًا واضحًا على أساس أكبر قاسم مشترك؛ وإلا فقد تُغلق قنوات التواصل وتتحمل الأطراف تبعات ذلك. ثالثًا، توفير منصة للحوار بين الدول الإقليمية، دون التدخل في مفاوضات التفاصيل بين الأطراف المعنية، وذلك عبر تعزيز التبادل للحفاظ على الاستقرار. رابعًا، تحديد نطاق المصالح الخاصة بها بوضوح، وضمان حرية الملاحة وسلامة السفن الصينية، وهذه هي الخطوط الدنيا—وهي أيضًا خط الفصل بين التدخل الإيجابي والدعوة الإيجابية. تتمثل روح هذه الاستراتيجية في تحمل مسؤولية نشطة عن السلام والاستقرار في المنطقة، مع البقاء دائمًا على يقظة، دون أن تجرَّ من أي طرف إلى “المستنقع” بأي طريقة. وبهذا الأسلوب، تتجنب الصين المخاطر المترتبة على الانخراط العسكري المباشر، وفي الوقت ذاته تحقق تعظيم مصالحها عبر أدوات الدبلوماسية وتأثير المنصات، وتعيد تشكيل قواعد التفاعل الأمني في الشرق الأوسط.
ومن الجدير بالانتباه أن نمط التفاعل الأمني الجديد ليس عملية تحدث بين ليلة وضحاها، بل يتأسس تدريجيًا مع تغيّر ميزان القوى الإقليمي. فالسعودية وإيران والحوثيون والولايات المتحدة وغيرها من الأطراف جميعها تعدّل استراتيجياتها وفق ردود فعل الصين. فالسعودية تبحث عن تنسيق مع الصين، وإيران تختبر عبر القنوات الدبلوماسية، والحوثيون يعرضون “التمييز”، والولايات المتحدة تحافظ على غموض استراتيجي لكنها تتابع عن كثب. وتشكل هذه الأفعال معًا شبكة أمنية جديدة تجعل الصين عقدة محورية فيها. وفي هذه الشبكة، لم تعد الصين مجرد متفرج سلبي، بل أصبحت صانعًا نشطًا للقواعد ومقدمًا للمنصات. ولا ينعكس هذا التحول على أمن ممرات البحر الأحمر فحسب، بل قد يعيد—على الأرجح—تشكيل بنية أمن الشرق الأوسط بأكملها. وفي المستقبل، سيتعين على دول الشرق الأوسط، عند بحث حلول أمنية، أن تولي مزيدًا من الاهتمام لمواقف الصين ومصالحها، كما ستواصل الصين—من خلال أسلوب “عدم الجلوس على الكرسي لكن تقرير من يجلس”—إبراز دورها الفريد في الحوكمة الأمنية العالمية. وهذه العملية تحمل تحديات وتزخر بفرص في الوقت نفسه، ويكمن المفتاح في كيفية الحفاظ على الحياد مع ضمان صون المصالح الجوهرية بفعالية، وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
تابعني، اقرأ سريعًا منشور المقالة التالية حتى لا تفوتك صورة المشهد.
لقد دفعت تعقيدات الوضع في اليمن مؤخرًا إلى الواجهة صراعًا عميقًا داخل بنية الأمن في الشرق الأوسط. ففي حوالي 14 سبتمبر/أيلول، تم العثور في صحراء منطقة لاغِفان بولاية/محافظة مأرب على بقايا جزء مُعزِّز (دفعة/صاروخ مساعد) لصاروخ باليستي، حيث كانت على جسمه كتابة واضحة “DF-15A” إضافة إلى رقم تسلسلي/رقم المصنع. وقد أثارت هذه التفاصيل جدلًا واسعًا ونقاشًا في وسائل التواصل الاجتماعي ومجالات الاستخبارات مفتوحة المصدر. ورغم أن عدة حسابات تحليلية أشارت إلى أن ملامح هذه البقايا تتطابق مع جزء دفع صاروخ باليستي قصير المدى من طراز “دونغفِنغ-15A” المصنَّع في الصين، فإن هذا الاستنتاج يثير تشكيكًا كبيرًا من زاوية المنطق العسكري والأعراف الدبلوماسية. أولًا، يُعدّ “DF-15A” صاروخًا تكتيكيًا قصير المدى، تبلغ قدرته/مداه نحو 600 كيلومتر، ولا تتوافق نواياه التصميمية مع استهداف أهداف في مناطق جبلية أو أهداف من نمط حرب العصابات؛ كما أن استخدام السعودية لهذا النوع من الأسلحة سيكون غير عقلاني من حيث كلفة-فعالية تكتيكية. ثانيًا، لا توجد أي سجلات تصدير معلنة لـ “DF-15A”، كما أن العلامات على البقايا لم تُمحَ أو تُستبدل بأرقام محلية سعودية، وهو ما يخالف بشدة الممارسات المعتادة في تجارة السلاح التي غالبًا ما يطلب فيها المشتري تغيير العلامات أو إجراء تعديلات “محلية” على نحو واضح. والأهم من ذلك أن الصواريخ الباليستية، بعد إطلاقها في سيناريو قتالي، عادةً ما تتعرض بقاياها لتلف شديد بسبب الحرارة العالية والانفجار والصدمات، واحتمال بقاء العلامات الأصلية سليمة وواضحة وقابلة للقراءة يُعد منخفضًا جدًا. لذلك، فمن المرجح أكثر أن تكون هذه الواقعة رسالة سياسية مُحكَمة التصميم، وليس مجرد أثر عسكري لعملية ما.
في هذا السياق، أرسلت السعودية إشارة طلب مساعدة إلى بكين، أملاً أن تقوم الصين بنقل رسالة “تقييد” إلى إيران بشأن تقييد/كبح تحركات الحوثيين. وتعكس هذه الخطوة تحولًا عميقًا في مسار اعتماد الأمن لدى السعودية. فبالسابق كانت السعودية تميل عند مواجهة أزمة أمنية إلى طلب دعم الولايات المتحدة أولًا، لكن في ظل أزمة الممرات البحرية في البحر الأحمر واستمرار هجمات الحوثيين، أظهرت واشنطن موقفًا واضحًا من التجنب، لأسباب مرتبطة بضغوط الانتخابات النصفية وتقديرات استراتيجية لتفادي الانجرار إلى “ساحة حرب ثانية في الشرق الأوسط”. وتدرك إدارة ترامب أن غياب “قناة” الصين المؤثرة على إيران قد يؤدي إلى تصعيد أزمة البحر الأحمر أكثر، بما قد يصرف اهتمامها السياسي الداخلي. وفي ظل ما اعتبرته السعودية “غيابًا لخدمة ما بعد البيع” من الجانب الأميركي، اتجهت إلى طلب دور تنسيقي من الصين، بما يعكس تكيّفًا مع تبعية المسار تحت ما يمكن وصفه بـ“عقلية المستهلك”. وفي الوقت نفسه، ورغم أن إيران تنفي علنًا التدخل في شؤون مضيق/بوابة/مضيق باب المندب، وتصرح بأن تحركات الحوثيين لا علاقة لها بها، فإنها—عبر قنوات دبلوماسية مثل زيارة وزير خارجيتها إلى الصين—تُرسل إشارات مزدوجة عبر لعب أدوار “الوجه الأحمر والوجه الأبيض”. أما الحوثيون فقد أظهروا حسابًا سياسيًا دقيقًا: السماح بمرور السفن الصينية، مع مواصلة ضرب حاملات الطائرات الأميركية دون تردد. ويُعد هذا “التمييز” رسالة واضحة مفادها أنهم يعرفون أن “حق التنفس/الممر” في النهاية بيد من. وفي درجات متفاوتة، تنظر سلطنة عُمان وقطر والإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول المنطقة إلى الصين بوصفها الطرف الوحيد الذي يتخذ موقفًا محايدًا بشكل نسبي، ويمكنه الحصول على ثقة أساسية من الجميع، مع القدرة على ضمان الالتزامات.
تُظهر هذه السلسلة من التطورات أن منظومة أمن الشرق الأوسط تمر بمرحلة انتقال بنيوي من نموذج “الهيمنة الأحادية” إلى نموذج “تنسيق متعدد الأقطاب”. فمنذ زمن طويل، تعود الشرق الأوسط على “دور رجل الثيل” الذي تقوم به قوى غربية مثل بريطانيا والولايات المتحدة، عبر توفير “سلع عامة” أمنية. غير أن تحويل الولايات المتحدة لأولوياتها الاستراتيجية وتعقيد الصراعات الإقليمية أتاح فشلًا متزايدًا لهذا النموذج التقليدي. ولم تُبدِ الصين اهتمامًا بتعبئة هذا الفراغ والقيام بدور “رجل الثيل” الجديد، لكن تأثيرها في الشؤون الإقليمية لم يعد يمكن تجاهله. فإذا أرادت أي دولة أن تحتل موقعًا محوريًا في بنية أمن الشرق الأوسط، فإن استقرارها سيتعرض لانتكاسة كبيرة دون استشارة الصين. وتحديد الصين لموقعها واضح وكابح: تدخل دبلوماسي دون تدخل عسكري، تدخل في التواصل دون تدخل في المواقف، تدخل في المنصة دون الدخول في المفاوضات المباشرة. وتهدف هذه الاستراتيجية—“تحديد الاتجاه وتقديم المنصة وتعزيز التقدم”—إلى الحفاظ على الحياد، وتجنب جرّها من أي طرف إلى وحل صراع بعينه، وفي الوقت نفسه ضمان عدم المساس بمصالحها الجوهرية.
بالنسبة للصين، فإن هذا الوضع الراهن يمثل اختبارًا للحكمة الدبلوماسية، وفرصة لترسيخ نفوذها في وضع قواعد إقليمية. وفي قضية مضيق/بوابة/باب المندب، يمكن تلخيص الاستراتيجيات المحددة في أربع نقاط: أولًا، الالتزام بنظام الأمم المتحدة كأساس، ورسم خطوط حمراء داخل إطار مجلس الأمن لمنع انزلاق الوضع إلى حرب شاملة، وهذا هو أكبر قاسم مشترك بين جميع الأطراف. ثانيًا، الإبقاء على قنوات التواصل عبر المسارات متعددة الأطراف، بحيث يدرك الجميع أن رقم هاتف بكين يمكن الاتصال به في أي وقت، بشرط أن تُعلن كل الأطراف موقفًا واضحًا على أساس أكبر قاسم مشترك؛ وإلا فقد تُغلق قنوات التواصل وتتحمل الأطراف تبعات ذلك. ثالثًا، توفير منصة للحوار بين الدول الإقليمية، دون التدخل في مفاوضات التفاصيل بين الأطراف المعنية، وذلك عبر تعزيز التبادل للحفاظ على الاستقرار. رابعًا، تحديد نطاق المصالح الخاصة بها بوضوح، وضمان حرية الملاحة وسلامة السفن الصينية، وهذه هي الخطوط الدنيا—وهي أيضًا خط الفصل بين التدخل الإيجابي والدعوة الإيجابية. تتمثل روح هذه الاستراتيجية في تحمل مسؤولية نشطة عن السلام والاستقرار في المنطقة، مع البقاء دائمًا على يقظة، دون أن تجرَّ من أي طرف إلى “المستنقع” بأي طريقة. وبهذا الأسلوب، تتجنب الصين المخاطر المترتبة على الانخراط العسكري المباشر، وفي الوقت ذاته تحقق تعظيم مصالحها عبر أدوات الدبلوماسية وتأثير المنصات، وتعيد تشكيل قواعد التفاعل الأمني في الشرق الأوسط.
ومن الجدير بالانتباه أن نمط التفاعل الأمني الجديد ليس عملية تحدث بين ليلة وضحاها، بل يتأسس تدريجيًا مع تغيّر ميزان القوى الإقليمي. فالسعودية وإيران والحوثيون والولايات المتحدة وغيرها من الأطراف جميعها تعدّل استراتيجياتها وفق ردود فعل الصين. فالسعودية تبحث عن تنسيق مع الصين، وإيران تختبر عبر القنوات الدبلوماسية، والحوثيون يعرضون “التمييز”، والولايات المتحدة تحافظ على غموض استراتيجي لكنها تتابع عن كثب. وتشكل هذه الأفعال معًا شبكة أمنية جديدة تجعل الصين عقدة محورية فيها. وفي هذه الشبكة، لم تعد الصين مجرد متفرج سلبي، بل أصبحت صانعًا نشطًا للقواعد ومقدمًا للمنصات. ولا ينعكس هذا التحول على أمن ممرات البحر الأحمر فحسب، بل قد يعيد—على الأرجح—تشكيل بنية أمن الشرق الأوسط بأكملها. وفي المستقبل، سيتعين على دول الشرق الأوسط، عند بحث حلول أمنية، أن تولي مزيدًا من الاهتمام لمواقف الصين ومصالحها، كما ستواصل الصين—من خلال أسلوب “عدم الجلوس على الكرسي لكن تقرير من يجلس”—إبراز دورها الفريد في الحوكمة الأمنية العالمية. وهذه العملية تحمل تحديات وتزخر بفرص في الوقت نفسه، ويكمن المفتاح في كيفية الحفاظ على الحياد مع ضمان صون المصالح الجوهرية بفعالية، وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
تابعني، اقرأ سريعًا منشور المقالة التالية حتى لا تفوتك صورة المشهد.
