تلاشي علاوة الجغرافيا السياسية فوق عوامل الضعف في المخزونات، وهبوط قوي لأسعار النفط داخل الجلسة بأكثر من 4%

شهد سوق النفط الدولي يوم الأربعاء انعكاسًا حادًا في المزاج؛ إذ انسحبت بسرعة قوى شراء مدفوعة بقلق جيوسياسي، بعدما تعرضت لهجمات متزامنة من عوامل سلبية متعددة. ومع تخفيف أسوأ التوقعات بشأن انقطاع سلاسل الإمداد في الشرق الأوسط بشكل ملموس، بالتزامن مع ضعف بيانات مخزونات الولايات المتحدة وتشدد الظروف المالية الكلية، تراجعت أسعار النفط خلال الجلسة بشكل حاد. فقد هبطت أسعار خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بأكثر من 4%، وتراجعت أسعار برنت أيضًا تحت حاجز 104 دولارات. ويمثل هذا المسار دلالة على أن منطق تسعير السوق ينتقل من الاعتماد على “علاوة ندرة في الإمداد” إلى العودة الأكثر عقلانية إلى أساسيات العرض والطلب، كما يكشف عن هشاشة العلاوة المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية الحالية. وبالنسبة إلى المستثمرين، لا تعكس هذه الحركة مجرد تقلب على مستوى تداول يومي، بل هي نتيجة لإعادة تقييم السوق لاستمرارية الوضع في الشرق الأوسط وللمتانة (المرونة) لسلاسل الإمداد العالمية للطاقة.

تتمثل المحرك الأساسي لانخفاض أسعار النفط في هذه الجولة في اختراق مسار تصدير متعدد من المملكة العربية السعودية، ما يقلص مباشرة مخاوف السوق من إغلاق شامل لمضيق هرمز. ففي وقت سابق، وقعت هجمة طائرات مسيرة على خطي أنابيب السعودية الشرقية-الغربية بطول إجمالي 750 ميلاً وبطاقة ضخ يومية قصوى تبلغ 7 ملايين برميل، كما جرى تعليق تحميل النفط الخام في ميناء ينبع في البحر الأحمر (إليّ). حينها سادت حالة هلع من انهيار حاد في الإمدادات. لكن أحدث المعلومات تشير إلى أن السعودية تقوم عبر أسلوب “سفن إلى سفن” قرب ميناء صحار في عمان، بتوفير شحنات إضافية من النفط الخام إلى شركات تكرير آسيوية. وقد عوض هذا الترتيب التصديري البديل بشكل فعّال فجوة الإمداد الناجمة عن تضرر الأنبوب. وأشار محلل UBS Giovanni Staunovo إلى أن هذا يعني زوال مخاوف السوق بشأن اتساع حجم انقطاع الإمداد. وفي الوقت نفسه، أدلى وزير الطاقة الأمريكي ريت (Wright) بتصريح يوم الأربعاء قال فيه إن 18 مليون برميل من النفط مرت عبر مضيق هرمز يوم الثلاثاء، وهو رقم عاد تقريبًا إلى مستوى ما قبل اندلاع صراع إيران-أمريكا، ما يعزز إشارة مفادها أن عنق الزجاجة الأهم لنقل النفط عالميًا لم يتأثر فعليًا. ورغم أن ظروف مرور مضيق هرمز لا تزال بالغة الصعوبة، فإن البيانات الأولية يوم الأربعاء أظهرت أن عدد السفن التي يمكن رؤيتها وهي تعبر يوم الثلاثاء بلغ 4 سفن فقط، أي أقل بكثير من متوسط 18 سفينة خلال 10 أيام. ومع ذلك، فإن ظهور مسار بديل من السعودية يكفي لكسر السردية المتطرفة المتعلقة بـ“الانقطاع الشامل”، ما أدى إلى تقلص كبير في علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تراكمت مسبقًا.

بالإضافة إلى تعديل توقعات الجغرافيا السياسية، تشكل بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) ضغطًا ثانيًا على هبوط الأسعار. إذ أظهرت البيانات أن مخزونات النفط الخام التجارية في الولايات المتحدة انخفضت الأسبوع الماضي بنحو 640 ألف برميل فقط، أي أقل من نصف توقعات المحللين البالغة 1.62 مليون برميل؛ ما يشير إلى أن الطلب لم يكن قويًا كما كان متوقعًا لامتصاص المخزونات. والأكثر لفتًا للانتباه هو تسجيل ارتفاع في مخزونات البنزين والـ”ديزل/الزيوت المقطرة” على حدّ سواء، وهو ما يتعارض مع انخفاض مخزونات النفط الخام، بما يوحي بأن ضغطًا قد يواجه طلب المنتجات النفطية أو أن هناك فائضًا في المعروض. يرى John Kilduff، الشريك في Again Capital، أن مخزونات المنتجات النفطية حافظت على استقرارها بل ربما ارتفعت قليلًا، بينما بدأ انخفاض مخزونات النفط الخام يلين؛ وبذلك فإن الإشارة العامة تميل إلى أن تكون سلبية لأسعار النفط. وفي المقابل، قال David Russell، مدير استراتيجيات الأسواق العالمية لدى TradeStation، إن المخزونات ما تزال مشدودة إجمالًا بفعل قوة الصادرات، وأن هذه البيانات مجرد تَوقُّف مؤقت لحركة الارتفاع. لكنه أضاف أن ذلك لا يفيد في تخفيف مخاوف النقص الأوسع في الإمدادات. بينما اعتبرت مؤسسات مثل Ritterbusch & Associates هذا التراجع تصحيحًا تقنيًا. يعكس هذا الخلاف صراع السوق بين بيانات العرض والطلب قصيرة الأجل وبين المخاطر الجيوسياسية طويلة الأجل: فمن جهة، تُضعف بيانات المخزونات الفورية المبررات الأساسية لحيازة المراكز الشرائية (عوامل دعم الصعود). ومن جهة أخرى، ما زالت بعض المؤسسات تتمسك بتوجه صعودي، وترى أن الشراء عند حدوث تراجع حاد بدلًا من الحكم على قمة دورة السوق الصاعد هو استراتيجية أكثر أمانًا.

أما تدهور البيئة المالية الكلية فقد زاد من ضغط الهبوط على أسعار النفط. بعد أن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة للمرة الأولى خلال ثلاث سنوات، عزز صعود الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة التقييمات على السلع المقومة بالدولار، ما شكل كبحًا مباشرًا لها. وتزامن ذلك مع الرياح المعاكسة على مستوى الاقتصاد الكلي مع عوامل سلبية في الأساسيات، ما عجّل بخروج أرباح من المراكز. ومع ذلك، رغم تراجع أسعار النفط الخام، لم تُزل التوترات الهيكلية داخل سوق الطاقة بالكامل، خصوصًا في سوق الديزل. فقد أغلقت عقود الغاز/الوقود الأوروبي (Vas oil) يوم الثلاثاء قرب مستويات تاريخية مرتفعة، وفي اليوم نفسه سجلت عقود الديزل الأمريكي منخفض الكبريت جدًا رقمًا قياسيًا جديدًا. وتوقعت Citi في تقريرها أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط سيواصل دعم أسعار المنتجات النفطية حتى إعادة فتح مضيق هرمز حول الربع الرابع من عام 2026. كما قررّت الحكومة الروسية تمديد قيود تصدير الديزل المفروضة على منتجي الوقود حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، ما يزيد من تشديد العرض العالمي للديزل. وتُظهر بيانات “S&P Global Commodity Insights” أن علاوة خام “Johan Sverdrup” النرويجي على مؤشر برنت القياسي بلغت 19.55 دولارًا، وهو مستوى قياسي. وهذا يعكس أن شركات التكرير الأوروبية تبحث بفعالية عن بدائل قريبة من النفط الخام القادم من الشرق الأوسط.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط ما زال سيفًا فوق رأس سوق الطاقة. فقيام القوات الأمريكية مؤخرًا باستخدام عشرات صواريخ الاعتراض للتعامل مع هجمات إيران بالمسيّرات (الصواريخ)، واستهداف الحوثيين لميناء ينبع/ينبع في جولة جديدة من الضربات، إضافة إلى 80 حادثة بحرية موثقة ومؤكدة سجلتها المنظمة البحرية الدولية، كلها تشير إلى أن مخاطر السلامة في المنطقة لم تختف فعليًا. حذّر محللو UBS من أنه ما لم تظهر اتفاقية سلام أو تتحسن الأوضاع في روسيا، فمن المتوقع أن يظل سعر الديزل مدعومًا. وبالنسبة لصانعي السياسات، يمنح هبوط أسعار النفط الخام على المدى القصير بعض المساحة للتخفيف من توقعات التضخم، لكن ثبات أسعار المنتجات النفطية مثل الديزل يعني أن أثر انتقال الطاقة إلى التضخم الإجمالي لا يزال لا يمكن تجاهله، كما أن مسار سياسات البنك المركزي ليس ثابتًا/غير متحكم به. يحتاج المستثمرون إلى متابعة وثيقة لتقدم إصلاح خطي أنابيب السعودية الشرقية-الغربية (تقديرات تتراوح بين ستة إلى ثمانية أسابيع)، وتغيرات الكمية الفعلية لعبور سفن مضيق هرمز، وسرعة تراكم مخزونات الديزل عالميًا. وستحدد هذه المتغيرات معًا ما إذا كانت أسعار النفط ستدخل مرحلة تذبذب وتهدئة بعد استيعاب العوامل السلبية الحالية، أم ستعود إلى اختبار القمم مجددًا تحت محفزات متكررة من المخاطر الجيوسياسية.

تابعني، وفي المقال التالي قراءة سريعة للفِرق/حركة السوق لن تفوتك.