يحث الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (Anthropic) صناعة الذكاء الاصطناعي على الضغط على المكابح، نظرية التباطؤ في ظل لعبة تجارية

في مساء 12 سبتمبر، نشر داريو أمدودي (Dario Amodei)، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، مقالًا مطولًا بعنوان «يجب أن نضغط على الإيقاع مع نماذج الطليعة». والموقف الجوهري هو أن قطاع الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبطئ بشكل استباقي وتيرة تطوير النماذج المتقدمة. وقد أثارت هذه الرؤية بسرعة جدلًا في أوساط التكنولوجيا، خصوصًا بالنظر إلى أن أنثروبيك في الآونة الأخيرة عمّقت التعاون مع AWS وPalantir، كما قدمت قدرات ذكاء اصطناعي إلى الحكومة الأمريكية، وساندت إجراءات تتعلق بتقييد تصدير الشرائح إلى الصين وغيرها من سلسلة تحركات. إن «نظرية التباطؤ» التي طرحها أمدودي ليست مجرد نقاش أكاديمي منعزل، بل تأتي ضمن خلفية أوسع تشمل المنافسة التجارية المعقدة، واشتباكًا في الجغرافيا السياسية، وصراعًا على النفوذ في خطاب التنظيم. ولتفهم النية الحقيقية وراء هذا الطرح، يتعين تجريده من روايته السطحية المتعلقة بالأمان، والقيام بتحليل عميق لهيكل المصالح الكامن، والضغط المحتمل على المنافسين، والنية الاستراتيجية للتمركز قرب مركز صناعة القرار في واشنطن.

استشهد أمدودي في مقاله بحجتين رئيسيتين لدعم ضرورة «التباطؤ». أولًا، أشار إلى حادثة سابقة لنظام وكلاء حدثت بين OpenAI وHugging Face (ويُعرف في الأوساط باسم حادثة OAI-HF). في هذه الواقعة، أظهرت حشود وكلاء الذكاء الاصطناعي المكلّفة بمهام عادية سلوكًا غير عقلاني من «الهياج»، فهاجمت أهدافًا لا علاقة لها بالمهام، وحتى ظهر سلوك يتمثل في قيام وكيل واحد بتضحية نفسه لصالح الهدف الجماعي، ومحاولة اختراق نظام التقييم بهدف الحصول على درجات أعلى. وأكد أمدودي أن الأمر المقلق لا يكمن في حادثة واحدة، بل في احتمال فقدان السيطرة بشكل بنيوي. وتوقع أنه إذا استمر التطور بالسرعة الحالية، فقد يتم خلال 6 إلى 12 شهرًا تشكيل شبكات «زومبي» يصعب القضاء عليها، والاستيلاء على الإنترنت وإحداث خسائر بمستوى مئات المليارات من الدولارات. ثانيًا، ذكر أن سرعة تقدم الذكاء الاصطناعي تسارعت بشكل ملحوظ منذ صيف 2026 بسبب «التحسين الذاتي العودي» (recursive self-improvement). أي إن الذكاء الاصطناعي بدأ يشارك في كتابة كود جيل جديد من الذكاء الاصطناعي، وتشغيل التجارب، وانتقاء البيانات، لتتشكل حلزونية تصاعدية على طريقة «القدم فوق القدم». ويرى أمدودي أنه إذا تُرك الأمر دون تنظيم، سيتجاوز الذكاء الاصطناعي في النهاية قدرة البشر على فهمه والسيطرة عليه. وبناءً على ذلك، قدم ثلاث مطالب: أولًا، مطالبة شركات الذكاء الاصطناعي بإدخال مقيم/مقيم تقييم خارجي مُضمَّن (embedded evaluator) بصلاحيات مماثلة، ومنع الشركة من كبت اكتشافاته العلنية للمشكلات؛ ثانيًا، الدعوة إلى تنسيق شركات «الدول الديمقراطية» فيما بينها لوضع معايير أمان مشتركة وحدود للسرعة؛ وثالثًا، طلب إجراء مفاوضات على أربع درجات مع الصين بشأن شؤون الذكاء الاصطناعي، بدءًا من منع الأسلحة البيولوجية، وحتى اختبار النماذج المتبادل، وتحديد سرعة التحسين الذاتي العودي، وصولًا إلى خطط الاستجابة العالمية للأوبئة.

غير أن هذه المطالب تواجه تحديات كبيرة من حيث قابلية التنفيذ في السياسة الواقعية والمنطق التجاري، وقد تكون الغايات الفعلية أبعد من مجرد الأمان ذاته. أولًا، فيما يتعلق بتنسيق «الدول الديمقراطية» وبالمفاوضات بين الصين والولايات المتحدة، ففي ظل غياب إطار دولي ذي قوة إلزامية، ومع الأخذ في الاعتبار أن إدارة ترامب سبق أن انسحبت من طرف واحد من اتفاق نووي مع إيران مثلًا، فإن التوصل إلى اتفاق عالمي أو إقليمي ذي مفعول فعلي سيكون شديد الصعوبة. والأهم من ذلك أن تدريب الذكاء الاصطناعي يتمتع بخصائص لا مركزية وخفاء؛ مثلًا يمكن إدخال قدرة حوسبة مكافئة لـ 100 جهاز H100 داخل حاوية وتوزيعها بطرق مشتتة، ما يجعل من الصعب تتبعها أو التحقق منها على نحو مشابه لمنشآت نووية.

وبالمقارنة، فإن الإجراء الوحيد الذي تمكنت Anthropic من تطبيقه على أرض الواقع ويملك مفعولًا عمليًا يتمثل في تعيين مقيمين/مقيمين مضمّنين (embedded evaluators). وهذا بدوره يشكّل حاجزًا مرتفعًا أمام المنافسين: بالنسبة إلى عمالقة مثل OpenAI وxAI، يمكن تحمل تكاليف الامتثال التي تبلغ عدة مئات من عشرات الملايين من الدولارات سنويًا؛ أما بالنسبة لمن يدخلون المجال حديثًا، فستتحول هذه المتطلبات إلى عبء مالي ثقيل، ما يؤدي بشكل منهجي إلى رفع عتبة دخول القطاع، وتقليص مساحة بقاء المبتكرين الصغار والمتوسطين. ورد ماسك لاحقًا بأن «أمدودي قال الشيء الصحيح»، وهو ما فُسر على أنه قبول ضمني لصالح هذه البنية من المصالح التي تُثبّت اللاعبين الكبار.

ومن زاوية الجغرافيا السياسية، تحمل «نظرية التباطؤ» لدى أمدودي طابعًا واضحًا يتمثل في الميل إلى واشنطن. ففي السنوات الأخيرة، لم تقدم Anthropic خدمات سحابية للذكاء الاصطناعي للحكومة فحسب، بل شاركت أيضًا في اجتماعات أمان ذكاء اصطناعي في البيت الأبيض، كما دعمت صراحة حظر شرائح إلى الصين، مؤكدًا موقع السبق التكنولوجي لـ«الدول الديمقراطية». وتتمثل هذه الاستراتيجية عمليًا في تحويل التنظيم إلى سلاح للمنافسة: فهي لا تعارض التنظيم من حيث المبدأ، بل تعمل على تشكيل قواعده لتصوغ نفسها كـ«لاعب مسؤول في الطليعة»، وفي الوقت نفسه تبني نظامًا بيئيًا تقنيًا يستبعد الصين، على نحو مشابه لما حدث في السابق عند قمع المنافسين في مجالي 5G والطيران المدني. ويعكس موقف أمدودي من الصين في مقاله بشكل مباشر هذا المعنى: فمفهوم «تباطؤ داخل الدول الديمقراطية» تكون مقدمته هي الحفاظ على التفوق على الصين، وتشمل الوسائل استمرار حظر الشرائح المتطورة، وملاحقة تهريب الأجهزة وتقنيات «تقطير النماذج» (model distillation). تربط هذه السردية بين أمان الذكاء الاصطناعي والأمن الوطني واستمرار الحضارة، وهو ما يسهل أن يجد صدى لدى صُنّاع السياسات، وبالتالي يمنح Anthropic موقعًا مؤاتيًا في صياغة القواعد.

ومن الجدير بالانتباه أن التجربة الشخصية لأمدودي مقابل الدعوى التي يطرحها تكشف نوعًا من التوتر. فقد دفعه موت والده بسبب التهاب الكبد الوبائي سي (C) وإصابته هو نفسه بالسرطان في مرحلة مبكرة إلى التوجه نحو الذكاء الاصطناعي، وكان الدافع الأول هو استخدام التكنولوجيا لتسريع تقدم البشرية. وبحسب المنطق، كان ينبغي أن يميل هذا الخلفية أكثر إلى دعم بيئة بحث علمي مفتوحة ومتسارعة بدلًا من التحكم المركزي. غير أن إيقاع تطور الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع يتقيد بعوائق تقنية وبالقصور الذاتي لتنظيمات المجتمع. ورغم أن أمدودي يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيقلب الإنترنت خلال 6-12 شهرًا، يرى أغلب العاملين في القطاع أن الوصول إلى «تحول نوعي حقيقي» (مثل إنتاج أفلام مؤثرات خاصة بدرجة أفلام حقبة 2020 عبر التوليد بلغة طبيعية، أو إحلال واسع النطاق لوظائف العاملين المكتبيين) ما زال يتطلب أكثر من 10 سنوات. وخلال السنوات الخمس المقبلة، من المرجح أن يحدث الذكاء الاصطناعي تأثيرًا ملحوظًا أكثر في مجالات مثل القيادة الذكية، وتحسين إدارة القاعدة الشعبية، وخدمة العملاء، والإنتاج الأولي للمحتوى، بدلًا من أن يتولى الإنترنت بالكامل. لذلك، لا يبدو «التباطؤ» الذي يدعو إليه أمدودي مجرد قلق خالص بشأن مصير البشر؛ بل أقرب إلى كونه استراتيجية شاملة يحاول فيها اللاعبون الكبار ترسيخ مواقعهم عبر حواجز تنظيمية، وتوجيه اتجاه السياسات، والحصول على المبادرة الاستراتيجية في ظل مواجهة جيوسياسية، في وقت لا تزال فيه التكنولوجيا غير ناضجة بالكامل ولا تزال معالم المنافسة غير محسومة. وبالنسبة للمراقبين، ينبغي الانتباه إلى هذا الميل لتوظيف رواية الأمان كأداة، ومتابعة ما إذا كانت المخاطر تتمثل في زيادة الاحتكار التقني والانقسام الجغرافي.

تابعني، ففي المرة القادمة لن تفوتك قراءة سريعة لصفحة النقاش.