لكل إنسان نقطة ينقلب عندها عالمه المألوف رأسًا على عقب حتى أساسه. وقد جاءت نقطتي عندما حلّت الكارثة الكبرى في مدينتي الساحلية المزدهرة التي وُلدت فيها، وفي بلدنا بأسره.

قبل تلك الأحداث المرعبة، كان لدي كل ما يجعل عائلتي تشعر بالأمان: عمل مستقر، وفهم واضح للمستقبل، ومشروعي الصغير الذي أصبح مربحًا بالفعل. لقد تمكنت أخيرًا من لمس تلك الاستقلالية الريادية الحلوة، وصرت أستطيع إعالة أحبائي دون أن ألتفت حولي. كنا نضع الخطط، ونستثمر روحنا ومواردنا في مشروعنا. لكن في يوم واحد تحوّل كل ذلك إلى رماد وبقي خلفنا.

انغمسَت المدينة فورًا في فوضىٍ عارمة. أُغلقت المتاجر، واختفى الطعام تمامًا، وانقطعت الاتصالات. وإلى جانب ذلك كله، جاء بردٌ مُرعبٌ يَنفُذ إلى العظام. ولإشعال النار والتدفئة، كان علينا في البداية استخدام كل شيء تقريبًا يقع تحت اليد. ومع مرور الوقت تكيفنا—تجمعنا كجيران كل بناية، وأصبحنا جسدًا واحدًا. كنا نُخزّن الحطب معًا، ونجمعه ونسحبه ونتكدّسه في مدخل البناية كي لا يبتلّ الخشب. كان هناك من يعثر على أثاثٍ قديم، ومن يعثر على واجهات عرضٍ أو صناديق خشبية—فنكسرها ونجمعها ونحافظ على كل رشةِ خشبٍ قابلة للاشتعال. كنا نَحمل الماء مباشرةً من النهر. انتقلت الحياة نفسها إلى الفناء: اضطررنا لطهي الطعام فوق نارٍ مكشوفة في الشارع، تحت الانفجارات التي لا تتوقف، وكل ثانية نعرّض أنفسنا لخطر عدم الوصول إلى جدران بيتنا المخلّصة.

لكن الأسوأ لم يكن بالنهار؛ بل كان يبدأ ليلًا. في الظلام، تحت دوي القذائف، بدا الزمن وكأنه يتوقف. في تلك اللحظات كان ابني الصغير يسأل بهدوء: “متى سينتهي كل هذا وسننام أخيرًا؟”. وفي ذلك الوقت، ونحن نختنق من عجزٍ داخلي، بدأنا جميعًا بصوتٍ عالٍ نغني أغاني—غنّينا بكل ما أوتينا من قوة لكي نحاول صرف الطفل عن ذلك الكابوس الذي كان يحدث في الخارج. والأكثر رعبًا كان أن نسمع منه: “يا أبي، كم أريد ساندويتشًا...”—حتى لتدمع العينان، ومع ذلك تفهم أنك منهك تمامًا ولا تستطيع جسديًا أن تجلب له حتى قطعة واحدة من لحمٍ بارد. إذا اقتربت الانفجارات جدًا، كنا نأخذ ابننا ونركض إلى مدخلٍ إسمنتيٍ صامت. في الصباح كنا نخرج مجددًا إلى الشارع، ونشعل نارًا صغيرة لنُحضّر غلاية الشاي ونتدفأ قليلًا. في تلك الدقائق كنا نفرح بصدق لمجرد حقيقة واحدة—أن الليل مرّ، وأننا أحياء. وفي كل مرة كانت تتسلل إلى الداخل آمالٌ مجنونة بأن كل هذا سينتهي قريبًا. وحدث الأمر يتكرر كل ليلة...

كان الخروج من هذا الجحيم في عام 2022 مهمةً على حافة المستحيل. لم يبقَ في خزان وقودي سوى القليل جدًا. كنت أعرف تمامًا أننا لن نقطع مسافة بعيدة؛ سيتعطّلَت السيارة فحسب، وسنبقى مع العائلة في وسط حقلٍ عارٍ. كان أقرب أصدقائي—أخي المُسمّى—يدعمنا بقوةٍ لا تُصدّق، وكان حريصًا بصدق على مساعدتنا عبر أن يوافق على مشاركة جزءٍ من بنزينه على الأقل. كنا نُخطط لإحضار سيارته إلى فناء بيتي لنَتفِّرغ الوقود، لكن في تلك الفوضى حدث شيء ما—ثم سارت الأمور على نحوٍ خاطئ. اضطررنا إلى ترك السيارة في منتصف الطريق إليّ، وهذا—للأسف—كان بدون عودة.

في النهاية خرجنا مُعتمدين على خوفنا وعلى قدرنا—فقط نأمل العثور على أي شيء على الطريق. كانت الطريق مرعبة: ازدحامٌ لا ينتهي خانقٌ، وتحويلاتٌ مخيفة، والخروج بقوافل ضخمة من مئات السيارات. وفي الجزء الرابع من الطريق حدثت معجزة حقيقية—في إحدى قرىٍ غريبة ساعدتنا عائلةٌ مسنّة. ببساطة أعطونا جُرّة بنزين، مانحيننا فرصة مواصلة السير. ربما لم نتمكّن من إنجاز المستحيل—بالخروج من هناك—إلا بفضل هذا النوع من التكافل والقوة المشتركة.

كنا نخرج بشكلٍ منفصل. صديقي غادر في اليوم التالي. لم تكن هناك اتصالات، ولم نكن نعرف إن كان الآخر حيًا أم لا. لكن عندما وصلنا أخيرًا إلى مكانٍ آمن ظهرت فيه ولو بعض إمكانية “mobile” للاتصال، اتصلنا فورًا واجتمعنا. من الصعب حتى تصور ما كانت عليه تلك المشاعر! كم كانت السعادة مجنونة لرؤية بعضنا مجددًا. والأهم—أن نراهم أحياء. في ذلك الوقت احتجنا كلنا إلى تعبئة سيارات، وكنا نقف طوال اليوم والليالي في طوابير للحصول على هذا البنزين—جزءٌ كان نشتريه من الناس مباشرةً مقابل مبالغ فلكية تقريبًا، بأخر أموالنا، وجزءٌ كنا ننتظر ونطول في محطات الوقود. لكننا كنا أحياء، وهذا كان يكفي ليُغطي على كل شيء.

في العام نفسه 2022 وصلنا إلى العاصمة. مدينةٌ عملاقة جديدة تمامًا وغريبة، لم تكن لنا فيها علاقات عمل ولا أصدقاء قدامى. كانت سندنا الوحيد هو أقاربنا الذين كانوا يعيشون قريبًا من كييف في بيتٍ خاص. استقبلونا بترحابٍ لا يُصدق، وساعدونا كثيرًا وآوونا في البداية. أحاطونا بالرعاية، ووجّهونا في تفاصيل الحياة اليومية، ونظموا لنا نزهات وجولات تعريفية في المدينة، مقدمين لنا حياةً جديدة بالنسبة لنا. كان ذلك الجو العائلي دافئًا ومطمئنًا للغاية، وخلال قرابة عام لم نعمل أنا وزوجتي—فقط كنا نحاول استعادة عافيتنا من صدمة ما حدث، ونُعالِج جراح نفسية ابننا، ونتكيف مع الواقع. كنا نعيش حصريًا على تلك المدخرات التي نجحنا في إخراجها معنا بالمعجزة.

لكن لم يكن بالإمكان دائمًا إحراج الأقارب. لديهم عائلتهم، ولنا عائلتنا. عاجلاً أو آجلاً كان علينا أن ننفصل مجددًا ونقف على أقدامنا. اتخذنا قرارًا بالمغادرة، فبحثنا عن شقة واستأجرناها في قلب كييف. كانت لدينا في ذلك الوقت وسائل للعيش—لم تكن المدخرات قد نفدت. لكنني أنا وزوجتي كنا نفهم تمامًا أنه إذا استمررنا في الصرف دون أن نضع أي شيء في ميزانية العائلة، فستنتهي الأموال في وقتٍ ما. والأهم من ذلك: بدون دخلٍ ثابت لن نتمكن من الادخار والاستثمار في مستقبلنا، وفي مستقبل ابننا أيضًا. لقد تَصدّى سؤال المال لنا بكل ثقله: الإيجار، المدرسة، أمور البيت.

عندما تم توقيع عقد الإيجار، وعندما وصلت مفاتيح الشقة في العاصمة إلى جيبي، جاءت قناعةٌ واضحة—أن وقت استراحةٍ ما قد انتهى. حان الوقت للخروج إلى العالم وتقبّل شروطه الجديدة.

وهنا بالذات بدأ “انكساري” الداخلي الأهم. من شعر ولو مرة واحدة بأنه مالكٌ لعمله الخاص وتذوق حرية مشروعٍ صغير، لن يستطيع نفسيًا أن يكون مجرد عاملٍ مأجور بعد ذلك. دماغك يقاوم ويصرخ: “أنا لا أريد أن أعمل عند خالٍ غريب؛ أريد أن أُبدع شيئًا خاصًا بي!”. لكن الواقع كان يفرض حلولًا براغماتية. كانت الالتزامات تجاه العائلة ومستقبلها فوق كل شيء. لم يكن لدي مخرجٌ سريع آخر سوى أن أخضع مؤقتًا للنظام وأمضي إلى العمل المأجور، لكي أثبت الاستقرار المالي وأضع لأحبائي أساسًا جديدًا.

كانت زوجتي تعرف تمامًا كم لا أريد العودة إلى العمل المأجور. لكن في تلك اللحظة كان الخوف علينا نحن الاثنين. لقد فقدنا هناك كثيرًا، وخلفنا كان كل شيء قد صار أصعب. هي—كأمٍ عانت هذا الجحيم وهي تحمل طفلها—كانت أكثر ما تتوق إليه الأمن والوضوح والتربة الصلبة تحت أقدامها، كي تتمكن أخيرًا من التنفّس فوق أرضها. وأنا كنت أفهمها بالكامل، لأن خوفها كان مبررًا 100%. لكن من داخلي، عند عتبة وظيفتي الجديدة، لم أستسلم لحظة واحدة. ذهبت إلى هناك بخطةٍ داخلية واضحة: هذه صعوباتٌ مؤقتة. علينا فقط أن نَصمد، وأن نُمسك بخيطٍ ما، ونستعيد الوقوف على أقدامنا. كنت أؤمن وأتوقع وأعرف تمامًا—أنه عاجلاً أو آجلاً سأجد منفذًا، وأستعيد استقلالنا، وأبني لأسرتي عملًا لن تستطيع أي “قوة طبيعية” في العالم أن تنتزعه مني مرة أخرى.

#P2P #trading #crypto