في فضاء المنصات الرقمية، حيث تختلط أموال التشفير بضجيج الأفكار وتتقاطع المصالح، يبرز طائفة من البشر لا يمثلون إلا حالة من "النرجسية الافتراضية" المفرطة. هم أشباح تسكن الشاشات، تتقمص ثوب العمالقة وهي في حقيقتها أقزام، وتلبس عباءة "الزعامة" والمافيا بينما هي خاوية من كل معنى للرجولة الحقة والنخوة والشهامة. يظنون أن امتلاكهم لحسابات في منصات المال يمنحهم سلطة على الأرواح، فيطلقون على أنفسهم ألقاباً كـ "زعماء المافيا"، واهمين أن السيوف الخشبية التي يلوحون بها في فضاء افتراضي قادرة على إرهاب الأقوياء.

إن المتأمل في خطاب هؤلاء يرى العجب العجاب؛ فهم يكتبون الفقرات الطويلة المملة، ليس عن قوة أو حجة، بل عن عقدة نقص متفاقمة، وغرور أجوف يبحث عن أي انتباه ليتغذى عليه. تجدهم يتشدقون بحماية الأعراض والدفاع عن الحرمات، فإذا بهم يتخذون من "سوالف النساء" والغيبة والنميمة سلاحاً قذراً لهبوطهم الأخلاقي. ينتقدون الحديث عن النساء بينما يستخدمونهن كشتائم ووسيلة للتقليل من الآخرين، متناسين أن الرجال الأحرار يترفعون عن الخوض في أعراض الناس، وأن الشهامة أفعال لا تُكتب في منشورات طنانة.

والمصيبة الكبرى تكمن في "مرض الانسحاب الوهمي"؛ إذ تجد هؤلاء المغرورون يهددون ويتوعدون، ثم يكتبون باراجرافات طويلة ليقولوا في النهاية: "الوداع". وكأنهم بذلك يظنون أنهم وجهوا ضربة قاضية، متناسين أن الانسحاب بعد الصراخ ليس شجاعة، بل هو أقصى درجات الجبن والانكفاء. إنهم يخشون المواجهة الحقيقية، ويهربون من ساحات الأفعال إلى مقاعد المتفرجين، بعد أن يوقنوا أن حججهم أوهن من بيت العنكبوت، وأنهم لا يملكون من الرجولة سوى الاسم.

يا من تدّعون الشهامة وأنتم في أوحال التناقض، ويا من تنسبون أنفسكم إلى "المافيا" وأنتم أضعف من أن تواجهوا أعينكم في المرايا؛ إن الزعامة الحقيقية لا تُشترى بالعملات الرقمية، ولا تُبنى بالغيبة والنميمة والانتقاص من الآخرين. الزعامة هي الترفع عن سفاسف الأمور، والصدق مع الذات قبل الناس. أما من يجعل من الشاشات مسرحاً لتمثيلية "الرجولة الزائفة"، ومن الهجوم على الأبرياء وسيلة لدفن عقدهم النفسية، فهو مجرد "قرطاس" في مهب الريح، مهما حاول أن يضخم حجمه.

فلتعلموا أن المنصات الرقمية، مهما بلغت من الشأن والمال، لا تحتاج إلى "زعماء مافيا" يهددون ويهذون، بل تحتاج إلى عقول نيرة، وأقلام واعية، ورجال يفهمون أن الأدب سمة العظماء، وأن الصمت في وجه السفهاء أبلغ من كل الكلمات.

أما هؤلاء الذين يتفنون في كتابة "رثاء الذات" وإعلان الانسحاب وسط النرجسية، فما هم إلا فقاعات صابون ستنفجر عاجلاً أم آجلاً، وتبقى الساحة لأصحاب الخلق والمعرفة.