يتحول أول خطاب رئيسي لكيفن وارش بصفته رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي إلى اختبار غير متوقع لأسلوبه الجديد في التواصل، بعدما أثارت طريقته المختصرة في تقديم التوجيهات بشأن السياسة النقدية انتقادات حادة من وول ستريت والاقتصاديين.

ويواجه وارش معضلة دقيقة تتمثل في الرد على الانتقادات التي تتهمه بعدم الوضوح الكافي بشأن رؤيته للاقتصاد، دون التخلي عن إصراره على عدم تقديم إشارات تفصيلية للمستثمرين بشأن التحركات المستقبلية للسياسة النقدية.

وتوفر الندوة السنوية للاحتياطي الفيدرالي في جاكسون هول بولاية وايومينغ، حيث من المقرر أن يلقي وارش خطابه يوم الجمعة، فرصة مهمة أمام رئيس البنك المركزي لتحقيق التوازن بين تقليص التوجيهات المستقبلية والحفاظ على قدر كافٍ من الشفافية أمام الأسواق.

وتزايدت الضغوط من وول ستريت بعد أن أثار المؤتمر الصحفي الذي عقده وارش الشهر الماضي رد فعل قويًا في سوق السندات. ومنذ ذلك الحين، واصل الاقتصاديون والمحللون انتقاد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، معتبرين أنه بالغ في مساعيه للحد من حجم المعلومات التي يقدمها البنك المركزي للأسواق.

ضغوط الأسواق تتزايد على وارش

وأصبحت مهمة وارش أكثر تعقيدًا الأسبوع الماضي بعدما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بصورة مفاجئة عن عمليات لإعادة شراء الديون الأمريكية، في محاولة لخفض عوائد السندات طويلة الأجل.

وقالت أنويتي باهوجونا، الرئيسة المشاركة للاستثمار لدى نورثرن تراست لإدارة الأصول، إن وارش يريد بوضوح أن يتحدث بأقل قدر ممكن، لكنها أكدت أن الأسواق من حقها الحصول على قدر من الشفافية والتوضيح بشأن أسباب الموقف الحالي للبنك المركزي وما الذي يراه في الاقتصاد.

ولا يعني ذلك أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد من المرجح أن يقدم اعتذارًا عن أسلوبه. إذ يرى المدافعون عن وارش أن رد فعل الأسواق على مؤتمره الصحفي في يوليو كان مبالغًا فيه.

ويشير هؤلاء إلى أن توقعات التضخم، التي يفترض أن ترتفع إذا تراجعت الثقة في الاحتياطي الفيدرالي، تحركت بصورة محدودة فقط، ولا تزال مستقرة عند مستويات تتوافق مع هدف البنك المركزي البالغ 2%. كما يرون أن ارتفاع عوائد السندات يعود إلى عدة عوامل، من بينها الزيادة الكبيرة في الاقتراض الحكومي واقتراض الشركات.

الدفاع عن أسلوب وارش في التواصل

وقال راندال كروزنر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وعضو سابق في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2009، إن وارش لا يزال في بداية عملية شاملة لإعادة صياغة أسلوب التواصل داخل البنك المركزي، تستهدف الحد من التوجيهات الصريحة بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية.

وأوضح كروزنر أن الأسواق قد تخطئ أحيانًا في تفسير الأحداث، مشيرًا إلى أنه كان موجودًا في الاحتياطي الفيدرالي عندما أخطأت الأسواق في تقدير العديد من التطورات، وأن أي نهج جديد يحتاج بطبيعة الحال إلى فترة للتأقلم.

كما دافع عدد من زملاء وارش في الاحتياطي الفيدرالي عن موقف البنك المركزي، ومن بينهم ماري دالي، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، وألبرتو موسالم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس.

ورفضت دالي الاتهامات التي تشير إلى تضرر مصداقية الاحتياطي الفيدرالي، مؤكدة أنها لا ترى أن مصداقية البنك المركزي معرضة للخطر.

المؤتمر الصحفي الذي أشعل أزمة السندات

لم يكن من الضروري أن تتحول الأمور إلى هذا المستوى من الجدل، إذ حظي وارش بإشادة واسعة بعد توليه منصبه في مايو، بعدما ركز بصورة متكررة على رسالة مفادها أن الاحتياطي الفيدرالي سيعمل تحت قيادته على إعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2%.

وخلال شهادته أمام المشرعين في يوليو، أكد وارش أن البنك المركزي لا يتسامح مع التضخم، وهو ما ساعد في تهدئة المخاوف من احتمال رفضه رفع أسعار الفائدة إذا تطلبت الظروف الاقتصادية ذلك.

وكانت هذه المخاوف قد اكتسبت أهمية خاصة لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من عيّن وارش، بعدما وجه انتقادات حادة إلى سلفه ووعد بتعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي يدعم خفض أسعار الفائدة.

لكن أول اضطراب كبير في أداء وارش جاء مباشرة بعد اجتماع السياسة النقدية في يوليو، عندما قرر مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي على الأموال الفيدرالية دون تغيير.

ورغم اعتراض 3 مسؤولين على القرار، فإن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير كان متوقعًا بالفعل ومُسعرًا في أسواق السندات. لكن المؤتمر الصحفي الذي عقده وارش عقب الاجتماع هو الذي أشعل موجة واسعة من الانتقادات بين المستثمرين والاقتصاديين.

3 نقاط أشعلت غضب المستثمرين

حدد متابعو الاحتياطي الفيدرالي 3 نقاط رئيسية في المؤتمر الصحفي اعتبروها محورية في رد فعل الأسواق.

تمثلت النقطة الأولى في عدم تقديم وارش تفسيرًا واضحًا لسبب إبقاء السياسة النقدية دون تغيير، بينما كانت الثانية رفضه تقديم رفع أسعار الفائدة باعتباره أداة واضحة للسياسة النقدية قد يحتاج البنك المركزي إلى استخدامها لاحقًا.

أما النقطة الثالثة فتمثلت في تعليق عابر بشأن هدف الاحتياطي الفيدرالي للتضخم البالغ 2%، دفع بعض المستثمرين إلى الاعتقاد بأن هذا الهدف قد يخضع للتغيير في يناير.

وكانت النتيجة موجة البيع الأسوأ في سوق السندات خلال سنوات، إلى جانب سيل من الانتقادات الموجهة إلى أسلوب وارش في التواصل.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007 بعد خطاب وارش.

وقال روبرت تيتلو، وهو مستشار سابق رفيع المستوى للسياسة النقدية في الاحتياطي الفيدرالي، إن وارش لم يتمكن أو لم يرغب في تفسير قرار عدم تغيير السياسة النقدية في يوليو حتى عندما سُئل عن ذلك بصورة مباشرة، معتبرًا أن هذا الأمر محير، خصوصًا أنه كان بإمكانه تقديم تفسير واضح دون التحول إلى تقديم توجيهات بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية.

ارتفاع العوائد لا يرتبط بالفيدرالي وحده

واستمرت عمليات البيع في سوق السندات خلال الأسابيع الأخيرة، لكن التطورات لا ترتبط بالاحتياطي الفيدرالي وحده.

فقد أصبح المستثمرون أكثر قلقًا بشأن ارتفاع مستويات الدين الأمريكي، ومع زيادة اقتراض الحكومة الأمريكية، فإنها تنافس شركات التكنولوجيا التي تضخ بدورها مبالغ ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على مصادر التمويل المتاحة.

كما أن ارتفاع عوائد الديون السيادية في أوروبا واليابان يشير إلى أن مخاوف المستثمرين تتجاوز التضخم الأمريكي والسياسة النقدية في الولايات المتحدة.

وقال آدم شيكلينج، كبير الاقتصاديين لدى مجموعة فانجارد، إن مجموعة من العوامل تتضافر حاليًا لدفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع.

ويضيف برنامج بيسنت لإعادة شراء السندات طويلة الأجل بهدف الحد من ارتفاع العوائد عاملًا جديدًا قد يزيد تعقيد مهمة الاحتياطي الفيدرالي، خصوصًا إذا جرى تمويل عمليات إعادة الشراء من خلال زيادة مبيعات السندات قصيرة الأجل.

ومن شأن ذلك أن يدفع وزارة الخزانة إلى التأثير في جزء من منحنى عوائد السندات الذي يهيمن عليه الاحتياطي الفيدرالي تقليديًا، ما قد يزيد حساسية الأسواق تجاه العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية.

بيانات الاقتصاد تمنح وارش متنفسًا

لكن بعض البيانات الاقتصادية التي صدرت منذ قرار السياسة النقدية في يوليو قدمت قدرًا من الارتياح لوارش، إذ أشارت بصورة عامة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، وهو ما قد يقلل الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة.

وتراجعت مبيعات التجزئة في يوليو بأكبر وتيرة لها خلال أكثر من عام، بينما ظل التضخم الأساسي تحت السيطرة نسبيًا.

وفي الوقت نفسه، خفض أصحاب العمل عدد الوظائف بصورة مفاجئة خلال يوليو، كما جرى تعديل بيانات التوظيف للشهرين السابقين بالخفض.

وقد تمنح هذه التطورات الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لمراقبة الاقتصاد قبل اتخاذ خطوات إضافية بشأن أسعار الفائدة، خصوصًا إذا استمر تباطؤ النشاط الاقتصادي دون عودة قوية للضغوط التضخمية.

ومع ذلك، يتفق كثير من المحللين على أن وارش سيحتاج إلى التعامل بصورة مباشرة مع منتقديه خلال خطابه المرتقب في جاكسون هول.

وارش أمام معادلة صعبة في جاكسون هول

قالت إلين ميد، أستاذة الاقتصاد في جامعة ديوك والتي قدمت المشورة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال مسيرة مهنية استمرت عقودًا داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن وارش بحاجة إلى تحقيق توازن بين رغبته في تقليص التوجيهات المستقبلية وبين الحفاظ على مستوى كافٍ من الشفافية.

وأضافت أن وارش لا يقدم لنفسه الكثير من المساعدة من خلال أسلوبه الحالي، معتبرة أنه وضع نفسه في موقف يصعب الخروج منه.

وبذلك، يتحول خطاب وارش في جاكسون هول إلى اختبار حاسم لأسلوبه في إدارة توقعات الأسواق، في وقت يواجه فيه الاحتياطي الفيدرالي ضغوطًا متزايدة من سوق السندات، وارتفاع الدين الأمريكي، وعدم اليقين بشأن التضخم وأسعار الفائدة.

وسيكون التحدي أمام رئيس الاحتياطي الفيدرالي هو تقديم صورة أوضح عن رؤيته للاقتصاد والسياسة النقدية دون العودة إلى نمط التوجيه التفصيلي الذي يسعى إلى تقليصه.

وفي الوقت نفسه، ستراقب الأسواق أي إشارة من وارش بشأن مستقبل أسعار الفائدة، ومسار التضخم، وارتفاع عوائد السندات، ومدى استعداد الاحتياطي الفيدرالي للتعامل مع التداعيات المحتملة للسياسة المالية الأمريكية.

ومع وصول عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى مستويات لم يشهدها منذ 2007، وتزايد المخاوف بشأن الدين والإنفاق على الذكاء الاصطناعي، قد يمثل خطاب جاكسون هول لحظة مهمة في تحديد ما إذا كان أسلوب وارش الجديد في التواصل سيستعيد ثقة الأسواق أم سيزيد حالة عدم اليقين المحيطة بالسياسة النقدية الأمريكية.

#stocks #kevinwarshtalk #JacksonHole #TNASSIMT #BTC

$U

UBSC
U
0.9993
-0.03%

$XAUT

XAUT
XAUTUSDT
4,603.87
-0.06%

$BTC

BTC
BTC
78,379.15
-1.03%