يُجمع غالبية الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية الرسمية (مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية - AAOIFI) على تحريم صفقات البيع على المكشوف (Short Selling / الشورت) في الأسواق المالية والعملات، وتستند هذه الحرمة إلى عدة علل شرعية واضحة في آلية المعاملة:
1. بيع ما لا يملك (مخالفة النهي النبوي الصريح)
الأصل في آلية الشورت أن المتداول لا يمتلك الأصل؛ بل يقترضه من المنصة أو الوسيط (Broker) ليبيعه فوراً بالسعر الحالي، على أمل أن ينخفض السعر لاحقاً فيشتريه بسعر أقل ويعيده للمقرض ويحتفظ بالفارق كربح.
هذا يقع مباشرة تحت النهي الصريح لرسول الله ﷺ في حديث حكيم بن حزام: «لا تَبِعْ ما ليسَ عِندَكَ» (رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني).
في الفقه الإسلامي، لا يجوز للإنسان أن يبيع سلعة إلا بعد أن تستقر في ملكه وتدخل في ضمانه وحيازته التامة.
2. الربا الصريح في رسوم الإقراض (Swap / Margin Fees)
المنصات والوسطاء لا يقرضون العملات أو السيولة مجاناً؛ بل يفرضون رسوم تبييت (Swap) أو فوائد تمويل (Margin Interest) نظير إقراض الأصل للمتداول حتى إغلاق المركز.
القاعدة الفقهية المجمع عليها تنص على أن: «كلُّ قرضٍ جرَّ نفعاً فهو رِباً»؛ ففرض فائدة أو عمولة تزداد مع مدة الاحتفاظ بالصفقة هو ربا نسيئة محرم قطاراً.
3. الإخلال بأحكام الصرف والتقابض الشرعي (في العملات)
لتداول العملات في الشريعة الإسلامية ضوابط خاصة ومشددة تُعرف بـ أحكام الصرف:
يُشترط عند مبادلة عملة بأخرى أن يحصل التقابض الفوري (يداً بيد، حقيقةً أو حكماً) في مجلس العقد، تجنباً لربا النسيئة لقوله ﷺ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد».
في صفقات الشورت على العملات (سواء الفوركس أو العملات الرقمية)، لا يوجد تقابض حقيقي ولا تسليم فعلي؛ إذ يتم تداول عقود مشتقة تقتصر على تسوية فروق الأسعار فقط دون حيازة العملة الأساسية.
4. التحول إلى الميسر والقمار (عقود الفروقات CFDs)
معظم صفقات الشورت المتاحة للأفراد اليوم تُنفّذ عبر عقود الفروقات (Contracts for Difference - CFDs).
في هذه العقود، لا تنتقل ملكية العملة نهائياً، ولا يتم بيع أو شراء حقيقي في السوق الفعلي (Spot)، بل يدخل المتداول في مراهنة مباشرة ضد المنصة على اتجاه حركة السعر، وهو ما يدخل في باب الميسر والغرر المنهي عنه شرعاً.
البديل الاستثماري المشروع
التعامل الشرعي المقبول في أسواق العملات والأصول هو التداول الفوري (Spot)، القائم على الشراء الفعلي للأصل وحيازته في محفظتك التامة (القبض الحقيقي أو الحكمي)، ثم بيعه بربح عند صعوده وتحمل خسارته عند هبوطه، دون رافعة مالية ربوية أو بيع لأصول مستعارة.