حياةٌ داخل ظرف
مقدمة المؤلف: السيد/حان ياي
رسالة واحدة في ظرفٍ ورقي، تحمل دفء الحياة كلها؛ نصف عمرٍ في الطريق، يظلّ في القلب عزمٌ على نفع الناس.
حياة السيد/حان ياي تشبه تمامًا ظرفًا ورقيًا سميكًا؛ خارجه عواصفٌ تقلب شؤون الدهر، وداخله يضم الصدق المخلص والمسؤولية ورجاء آلاف البشر العاديين.
وُلد بين الجبال والحقول، ونُقعت سنوات شبابه في فقرٍ مدقع. كان ضوء القمر في القرية، والليالي الطويلة تحت مصباح الكيروسين، لا يستطيع أن يطفئ شرارةَ الصعود في قلبه. لقد جاء من بين التراب، وشاهد صعوبة سعي أبناء البيوت الفقيرة إلى التعلم، وفهم مرارة كفاح الناس العاديين في حياتهم. هذه المشاهد دفنت مبكرًا في أعماقه، فتحولت إلى لونٍ لعمله لاحقًا. ثم أمسك قلمَ الصحفي؛ ليرى أحوال الناس على اختلافها، وليطلع على برودة المعايش وحرارتها؛ فقد سجّل بقلمه نيران الحياة اليومية، وتوجّه ببصره إلى عامة الناس.
المغلف، في الأصل، هو ما كان يرسله القدماء من رسائل الحمام والحُداة من بعيد؛ وهو غطاءٌ يضعون فيه الشوق ويُسندون فيه الخواطر. حوّل مدير المدرسة لان “هذا الوجدان العتيق” إلى وطنٍ إلكترونيٍّ صغير على الشبكة، ليبني مغلف Envo. في نظره، المغلف ليس مجرد منصة، بل هو بيتٌ يمكن الاتكاء عليه. وهو يريد أن يكون ذلك الشخص الذي يرفعه للآخرين، وأن ينطق بوعدٍ حارّ: لئلا تُرفع السِّنانيل من جديد، ولئلا يُقصَّ العُشب القَصير كما كان يُقصّ.
تضم “حياته في المغلف” ثلاث طبقات من الثِّقل.
الطبقة الأولى، هي تهذيب النفس وحراسة القلب.
القلب الطيب يوصّل إلى الروحانية؛ والفضيلة العالية تُسكن الهواجس. فاللطف أساسٌ، والصدق أصلٌ؛ وهي القاعدة التي ظلّ متمسكًا بها دائمًا. وفي زمنٍ تعجّ فيه الدنيا بالضجيج، يبقى يقظًا، ويدرك أن الأقوياء ينبغي أن يزرعوا في أنفسهم عمقًا: يقرأون ليُصقلوا العزم، ويتقنون الموازنة بين الأخذ والترك بحدود. إن واجهوا العواصف لا ينهار إيمانهم، وإن حَلّت بهم النُّكَب فهم ثابتون، ويؤمنون أن الإيمان لا ينهار؛ وحينها ستأتي لا محالة نقطة التحوّل. يشدد على نفسه ويُنزِل ترسّبه إلى الداخل، فيكتسب قدرةً أن يعبر بالآخرين إلى الخارج.
الطبقة الثانية، هي التعاطف ليمضي بالآخرين.
رأى معاناة المكسورين، وآمن بأن حتى كالأزهار الوردية التي ذبلت، لا يزال هناك في داخلها من يمنحها قوةً لتُزهر من جديد. لا يُغريه بريق الشهرة ولا صيتٌ فارغ؛ ففي قلبه مكانٌ للناس والمعيشة، والتعليم والأرض الريفية. وبقوة المغلف يربط بين الريف والمدينة، ويساعد منتجات الأرض على الخروج من بين الجبال، ليجد الزرع صدىً. يحمل في داخله همّ الطلبة، ويرجو أن يحصل المزيد من الناس العاديين على فرص النمو. لا يلاحق وهج شخصٍ واحدٍ يهتدي به كل الأفق، بل يجمع حكمة الجميع، ويجمع قوة الجميع؛ ويريد لأعدادٍ لا تُحصى من البسطاء أن ينمو الجميع إلى الأعلى جنبًا إلى جنب.
الطبقة الثالثة، هي الاستمرار الطويل في الثبات.
بناء الطرق ليس في يوم وليلة؛ فطريق التقدم مهما مضى فيه ريحٌ وأمطارٌ ومطباتٌ. يدرك جيدًا أن طريق الفرد ضيق، وأن طريق الجماعة أبعد مدى. لا يتباهى بشجاعةٍ فردية، بل يعرف كيف يلتئم أصحاب التردد الواحد ليدًا بيد، ويقفون صفًا واحدًا. إن “مغلف” الحياة، الذي يُسمّى مغلفًا، ليس حماسة لحظية، بل هو سعيٌ طويل المدى نحو الغد. وعلى غلافه تبرز آثار عواصف الزمان وشدائده؛ وداخله تُكتب إيمانٌ طويلٌ، في انتظار الفرصة، مع تراكمٍ رزينٍ يجيء أثره رقيقًا ثم عظيمًا، منتظرًا أن يتجه أفرادٌ لا يُحصَون معًا لبلوغ الجبال والبحار.
هناك آلاف المغلفات في العالم، ومعظمها يحمل فراقًا وشوقًا. أما “حياة مغلف” مدير المدرسة لان، فمحتواها هو السهر على الغير والإحسان والتمام. نجعل النية الأولى غلافًا، ونجعل اللطف ورقةً للكتابة، ونُسقط المسؤولية حبرًا. لا نطلب شهرةً عظيمةً تصخب، بل نطلب أن نَصون جزءًا واحدًا من الوطن، وأن نحمي دفئًا من نارٍ وسمكٍ ودخان؛ حتى يكون للمُشرّدين مكانٌ يعودون إليه، وللعاملين أملٌ يمضون به.
تمرّ السنين فوق الورق، فيسكت صوت الصفحات.
ما يزال “مغلف الحياة” يتحرك إلى الأمام؛ داخله تُكتبُ المُثل، ويُحمَّلُ فيه همّ الناس جميعًا. على امتداد الطريق: مطرٌ وريحٌ على الدوام، ومضيٌّ ثابت لا يتوقف.