#BNBChainToActivatePasteurHardFork
نحن جيل لم تكسره الأيام
لسنا مجرد أناسٍ تقدّم بهم العمر، ولسنا رقماً أضيف إلى قائمة «كبار السن»… نحن جيلٌ عبر الزمن، ولم يعبر الزمن من فوقنا دون أن يترك في أرواحنا حكاياتٍ لا تُنسى.
نحن أبناء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات؛ جيلٌ وُلد في زمنٍ كانت فيه الحياة أقل ازدحاماً بالتكنولوجيا، وأكثر ازدحاماً بالناس، والدفء، واللقاءات، والذكريات.
كبرنا في بيوتٍ كان للوالدين فيها هيبة، وللمعلم مكانة، وللجار حرمة، وللصديق وفاء. تعلّمنا أن الكلمة مسؤولية، وأن الاعتذار شجاعة، وأن احترام الكبير ليس ضعفاً، وأن مساعدة المحتاج ليست فضلاً بل واجباً إنسانياً.
ذهبنا إلى مدارسنا سيراً على الأقدام، حملنا حقائبنا بأيدينا، وواجهنا برد الشتاء وحرارة الصيف، وتعلمنا من كتبنا ودفاترنا وطباشير معلمينا. أخطأنا وتعلمنا، عوقبنا وتأدبنا، ونجحنا دون أن يكون خلف كل طالب من يتولى عنه واجباته.
كنا نلعب في الحارات حتى ينادينا صوت الأم من بعيد: «تعالوا إلى البيت»… وكانت تلك الجملة وحدها كفيلة بإنهاء أجمل مباراة في العالم!
لم تكن لدينا هواتف ذكية، ولا وسائل تواصل اجتماعي، ولا شاشات تسرق ساعاتنا. كان لدينا أصدقاء حقيقيون، ووجوه نعرفها، وأبواب نطرقها، وبيوت ندخلها دون موعد.
نحن الجيل الذي شهد العالم وهو يغيّر جلده أمام أعيننا.
عرفنا الهاتف الأرضي قبل المحمول، والرسالة الورقية قبل البريد الإلكتروني، والراديو قبل القنوات الفضائية، والتلفاز الأبيض والأسود قبل الشاشات الذكية، وأشرطة الكاسيت قبل الموسيقى الرقمية، والصور التي ننتظر تحميضها أياماً قبل أن تصبح الصورة تُلتقط وتُرسل في لحظة.
شهدنا الحاسوب وهو يبدأ صغيراً وثقيلاً، ثم رأيناه يتحول إلى جهاز يحمله الإنسان في جيبه، حتى أصبح العالم كله تقريباً في شاشة صغيرة بين أيدينا.
لم نكن مجرد شهود على هذا التحول؛ لقد تعلمنا كيف نعيش في عالمين: عالمٍ كانت فيه الأشياء تحتاج إلى وقت وجهد، وعالمٍ أصبحت فيه السرعة عنوان كل شيء.
لكن أعظم ما نحمله من الماضي ليس ذكريات الأجهزة القديمة، ولا تفاصيل الحياة التي تغيرت… بل القيم التي تربينا عليها.
كنا نعرف معنى القناعة، ونفرح بالقليل، ونحفظ للنعمة قدرها. كان الخبز يُرفع عن الأرض احتراماً للرزق، وكان الكبير يُوقر، والجار يُسأل عنه، والمريض يُزار، والحزين يُواسى، والضيف يُكرم.
كانت البيوت أقل فخامة، لكنها أكثر دفئاً… وكانت الموائد أبسط، لكنها تجمع القلوب قبل الأجساد.
كبرنا، وتزوجنا، وعملنا، وربينا أبناءنا، ودفنا أحبة، وودعنا أصدقاء، وحققنا بعض أحلامنا، وخسرنا بعضها الآخر… ثم اكتشفنا أن الحياة لم تكن في الأشياء التي سعينا إليها طويلاً، بل في اللحظات التي عشناها مع من أحببنا.
واليوم، حين نلتفت إلى الوراء، نكتشف أن العمر لم يكن طويلاً كما كنا نظن.
مرت السنوات كأنها صفحات كتاب؛ طفولة، فشباب، ثم أبناء كبروا، وأحفاد جاءوا ليعيدوا إلى قلوبنا شيئاً من طفولتنا.
ولهذا، لا تحزنوا لأن السنوات مضت… بل احمدوا الله لأنكم عشتم ما لم يعشه كثيرون.
لا تؤجلوا زيارة، ولا كلمة حب، ولا اعتذاراً، ولا جلسة مع من تحبون. فالوقت لا ينتظر أحداً، والأشخاص الذين نحبهم ليسوا باقين إلى الأبد، واللحظة التي نملكها الآن قد تصبح غداً ذكرى نتمنى لو عادت.
نحن لسنا «كبار السن» بالمعنى الذي تختصره الأرقام.
نحن جيل الخبرة، جيل الصبر، جيل التحولات، جيل الذاكرة، وجيل القيم.
جيلٌ عرف كيف يعيش بلا كثير من الأشياء، ولذلك عرف قيمة الأشياء حين جاءت.
جيلٌ لم تمنحه الحياة كل ما يريد، لكنه تعلم أن يصنع من القليل فرحاً، ومن التعب قوة، ومن التجربة حكمة، ومن الخسارة درساً.
فليكن العمر وساماً لا عبئاً، ولتكن التجاعيد صفحاتٍ من كتابٍ اسمه «الحياة».
تحية لكل من ينتمي إلى هذا الجيل…
للذين ما زالوا يحملون في قلوبهم رائحة البيوت القديمة، وصوت الأمهات، وهيبة الآباء، وذكريات المدرسة، وضحكات الأصدقاء، وأياماً لم تكن تملك كثيراً من التكنولوجيا… لكنها كانت تملك الكثير من الإنسانية.
نحن جيلٌ مضى منه الكثير، لكنه لم يفقد أجمل ما فيه: قلبه.
وإذا كان الزمن قد أخذ منا الشباب، فقد منحنا في المقابل شيئاً أثمن…
منحنا الحكمة، والذكريات، والقدرة على تقدير الحياة.
فالحمد لله على عمرٍ عشناه، وناسٍ أحببناهم، وأيامٍ صنعتنا، وأثرٍ طيبٍ نتمنى أن يبقى بعدنا.
تحية إجلال واعتزاز لجيلٍ عاش البساطة… فتعلم معنى الحياة.