كان أي ترتيب بحري كبير في البحر الأحمر يحمل بصمة أمريكية واضحة؛ حضورٌ سياسي، قيادةٌ عسكرية، أو مظلةٌ أمنية لا تتحرك المنطقة غالبًا من دونها. لكن الرياض تحرّكت هذه المرة بصورة مختلفة: السعودية و13 دولة أخرى أعلنت إطارًا دفاعيًا بحريًا متعدد الجنسيات، بقيادة سعودية ومقرّ دائم في الرياض، لحماية الملاحة والتجارة والطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.هذا ليس ممرًا بحريًا عاديًا. باب المندب هو البوابة التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن والبحر العربي، وهو مع قناة السويس جزء من أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا. وأي اضطراب فيه لا يؤخر السفن فقط؛ بل يرفع كلفة الوقود والتأمين والشحن، وقد يدفعها للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مع أيام وأميال إضافية وتكاليف لا تدفعها شركات الملاحة وحدها.الأهم أن المشروع لم يُقدَّم كتحالف هجومي أو كجبهة ضد دولة بعينها. هدفه الرسمي دفاعي: حماية حركة السفن والتجارة وإمدادات الطاقة، مع عضوية مفتوحة ومشاركة تشغيلية تظل قرارًا سياديًا لكل دولة. وفي الاجتماع الذي سبق الإعلان، حضر ممثلون عن 43 دولة ووفد من الاتحاد الأوروبي؛ ما يعكس حجم القلق الدولي من أمن هذا الشريان البحري.هل يعني ذلك أن السعودية «تخلّت تمامًا» عن الولايات المتحدة؟ لا يوجد إعلان رسمي بهذا المعنى، ولا دليل على أن واشنطن طُردت أو استُبعدت. لكن الرسالة السياسية واضحة: الرياض لا تريد أن تترك أمن أحد أهم الممرات التجارية في العالم رهينة قيادة قوة واحدة أو وعود تتبدل مع كل أزمة.وحتى النقاش تحت المنشور لم يكن عن السفن وحدها؛ بل عن الثقة في التحالفات: من يقف معك فعلاً عند الخطر، ومن يكتفي بالتصريحات؟ الدول اليوم لا تبحث فقط عن حليف يقول: «أنا معك»، بل عن قدرة ذاتية وشركاء متعددين وخيار للتحرك عندما يبدأ الاختبار الحقيقي.رأيي: السعودية لا تغلق باب التعاون مع أمريكا، لكنها تفتح بابًا أوسع لاستقلالية استراتيجية سعودية. في البحر الأحمر، لم تعد الرياض تنتظر من «يدير المجموعة»… بل تحاول أن تكون هي من يضع قواعدها.

الكاتب: W James

$CL