قضى ثلاث سنوات في هونغ كونغ—والحقيقة: عانيت سبع سنوات حتى حصلت على الإقامة الدائمة، صديقي أصرّ على الهرب والعودة إلى البر الرئيسي
في الفترة الماضية كتبت مقالًا بعنوان: “الحقيقة أنني قضيت ثلاث سنوات في هونغ كونغ: هذه الهوية المكسورة، كلما تذوقتها زادت إثارتها”—وكان هناك أصدقاء كثر يأتون برسائل خاصة يسألونني ماذا أفعل بخصوص هوية هونغ كونغ، ويسألون أيضًا عن شعوري بالحياة في هونغ كونغ وما إذا كانت فيها رفاهية؛ اليوم أشارك شيئًا مختلفًا قليلًا
الكثير من الصينيين على البر الذين بقوا في هونغ كونغ حوليًّا يتزاحمون حتى رؤوسهم—عانوا سبع سنوات كاملة فقط من أجل الإمساك ببطاقة الإقامة الدائمة في هونغ كونغ
صديق عارفته من زمن بعيد قال لي إنه في يوم حصوله على الإثبات، مباشرةً حجز تذكرة قطار سريع عائدًا إلى شنتشن
في سنوات سابقة كانت هذه البطاقة الهوية سلعة ثمينة جدًا، مثل جوازات السفر التي كانوا يخرجون بها للدراسة في التسعينات من القرن الماضي—تمسك صورة وهيبة على الساحة
بالكلام الذي يتناقله الآخرون يبدو كأنه حلم: إعفاء من التأشيرة لعدد كبير من الدول، وضرائب منخفضة، وعلاج مجاني/رخيص في المستشفيات العامة، والآن حتى دراسة الأبناء في DSE بسهولة لدخول المدارس المرموقة
يبدو الأمر وكأنه كل خبر جميل؛ في ذلك الوقت كان أيضًا منغمسًا في هذه السمعة الوهمية حتى اضطر إلى البقاء في هونغ كونغ وقراءة الماجستير رغم أن الأمر كان صعبًا
في يوم حصوله على الشهادة، وقف وحده في جسر تشونغوان وهو ينفخ هواءً باردًا
عند طريق العودة من العمل، رآه المارة وهو يمسك بطاقاته ويحدق في العدم؛ فيظنون أنه متحمس لدرجة أنه قد يبكي
لذلك فأنا وحدي من يعرف: إنه لم يكن سعيدًا ولو بمقدار نصف درجة، بل كان قد خطط في قلبه لترك هونغ كونغ تمامًا
الأقارب والأصدقاء يقنعونه الواحد تلو الآخر بأن عقله غير واضح؛ سبع سنوات من المعاناة لأجل هوية، فكيف يقولون إنه يتخلى عنها بسهولة؟
في عطلة نهاية الأسبوع جرّه إلى مطعم شاي ومأكولات سريعة، طلبا دلوين كعك زبدة الأناناس وكأسين شاي ليمون مثلّج، ولم يَوافق أن يخبرني بمشقة قلبه إلا وقتها
هونغ كونغ مساحة صغيرة جدًا مثل كفّ اليد؛ ولا توجد إلا عدد قليل من القطاعات التي يمكن أن تكسب فيها أموالًا كبيرة: في الغالب المالية، التجارة، ومكاتب المحاماة
إنه يعمل في مجال الإنترنت، فالبقاء هنا يعادل السير وربط قدميه معًا؛ سترفع يدك قليلًا حتى ترى سقف القطاع
أما الترقية للأعلى، فيكون كل شيء تحت سيطرة السكان المحليين الذين تعودوا عليه لسنوات طويلة؛ أما الوافدون فمن يتعِب عشر سنوات قد لا يحصل على فرصة
حتى تغيير الوظيفة لم يكن يتيح خيارات كثيرة؛ فالخيار يتكرر: بضع شركات صغيرة فقط؛ تزيد الرواتب قليلًا مع تقليصات وتفاصيل هنا وهناك، ولا يضاهي أبدًا شركات الإنترنت في البرّ الرئيسي
حياته اليومية امتلأت بأمور محبطة من كل نوع، ومع الوقت أُضعف اندفاع الجميع شيئًا فشيئًا
شقة صغيرة بحجم عشرة أمتار مربعة إيجارها شهريًا غالٍ بشكل مبالغ فيه؛ وباستثناء أي شيء، حتى الشاي مع وجبة خفيفة بسيطة يبدأ من خمسين دولار هونغ كونغ
عندما تدفع الإيجار كل شهر وتملأ معدتك، لا يتبقى في جيبك سوى عدد قليل من الأوراق النقدية الصغيرة
الأسعار ترتفع كل عام بشكل جنوني، والرواتب لا تتحرك ولو قليلًا؛ كل يوم يكفي فقط لتسديد لقمة العيش فتستنزف كل قوتك
الأمان النفسي الذي يبالغ العالم في وصفه حول الإقامة الدائمة لا يمكن أن يملأ حياة يومية من الكبت والضيق والضغط المتكرر
قبل بضع سنوات، كان الجميع مجنونًا للحصول على موارد هونغ كونغ، وظنوا أن طرق كسب المال هنا أكثر
والآن تغيرت الأمور تمامًا؛ فوائد ملموسة في منطقة خليج قوانغدونغ الكبرى تُعرض أمام العين
قوانغتشو وشنتشن فتحتا شروط تسجيل السكن للخريجين من مدارس هونغ كونغ؛ توجد إعانات للتأسيس للمشاريع، وتوجد علاوات للموظفين، كما أن شهادات التأهيل في كلتا المدينتين متبادلة ويمكن استخدامها دون إعادة اجتياز امتحانات التخصص
شهادة الماجستير من هونغ كونغ التي معه ما زالت تُعدّ مطلوبة عند عودته إلى البرّ الرئيسي؛ في وظائف الإنترنت والتقنية المالية توجد فرص كثيرة ومتفرقة، فالخيارات أوسع بكثير من هونغ كونغ الصغيرة الجزيرة
على مدار هذه السنوات تواصلت مع ثلاث فئات من مهاجري هونغ كونغ الذين يملكون الإقامة الدائمة
الفئة الأولى قررَت أن تُثبت جذورها في هونغ كونغ: تتمسك بسكن العوام، وضرائب منخفضة، وعلاج طبي في القطاع العام؛ يريد فقط أن يعيش يومًا بيوم بشكلٍ مستقر، ولا يوجد ما يعاب عليه
الفئة الثانية: تجري هنا وهناك بين الطرفين؛ تكسب في البرّ الرئيسي وتُبقي على الهوية في هونغ كونغ—يبدو الأمر كأنه الجمع بين الطرفين على نحو مثالي
وفي الواقع، قضاء وقت كبير كل أسبوع في عبور الحدود والطرق يستنزف الكثير من الوقت والمال؛ ومع أنه قد يتصبر سنة أو سنتين، إلا أن أغلب الناس لا يستطيعون تحمل الضغط
الفئة الثالثة هي صديقي هذا تحديدًا: لن يذهب تلقائيًا إلى إدارة الهجرة لتخريب/إلغاء سجل الإقامة الدائمة، لكنه لم يعد يستقر في هونغ كونغ على المدى الطويل
اعتبر هذه الشهادة طريقًا احتياطيًا للخروج من الأزمات؛ فنقل كل حياته المهنية والمعيشية بالكامل إلى البرّ الرئيسي
وبالمناسبة، نقطة شائعة لا يفهمها أغلب الناس: الإقامة الطويلة في البرّ الرئيسي لا تعني فقدان الإقامة الدائمة
ما دام لا يقدم طلبًا تلقائيًا بالتخلي، فإن هذه الهوية تكون سارية مدى الحياة، معاملة «بطاقة العودة إلى الوطن» و«تصريح الإقامة» تُنجز حسب الحاجة
تُدفع التأمينات الاجتماعية وصندوق الادخار في البرّ الرئيسي بشكل طبيعي، ولا تتعارض مزايا الطرفين؛ فلا يُحسب الأمر خسارة، فقط لم يعد هونغ كونغ هي وجهة الاستقرار طويلة المدى
على الإنترنت، يوجد عدد كبير ممن يروون نفس التجربة؛ مشاهدة فيديوهات قصيرة يظهر كل يوم أشخاص يشاركون قصصًا مشابهة
في شيآن، قضى أحد الإخوة سبع سنوات حتى أنهى الحدّ المطلوب وحصل على الإقامة الدائمة، ثم عاد فورًا إلى البرّ الرئيسي لإتمام إجراءات التسجيل
كثير من الفتيات القادمات من هونغ كونغ إلى البرّ الرئيسي عندما يتزوجن يثبتن لاحقًا في تشوهاى أو تشنغتشو، ويصبحن في منازل واسعة ومريحة، ولا يرغبن بعد الآن في التكدس في مساكن هونغ كونغ الضيقة
كذلك يوجد شباب يعملون في الإعلام والتدريب؛ بعد أن يقضوا بضع سنوات في هونغ كونغ يرون أنهم لا يملكون أي أمل بالترقي، فيندفعون إلى «منطقة خليج قوانغدونغ الكبرى» دون تردد
يزيد الدخل مباشرةً بمقدار خطوة، فالطلبات عبر التوصيل، والتسوق عبر الإنترنت، ووسائل التنقل—كلها لا يمكن مقارنتها بما في هونغ كونغ
في السابق اعتبر الجميع الإقامة الدائمة في هونغ كونغ بمثابة «بطاقة ذهبية»؛ وكانوا يظنون أن من يمسك بها بيده فقط هو من «أصبح شخصًا ذا مكانة»
ومع مرور الوقت، صار الجميع يفهم الأمر بوضوح: أي شهادة هي مجرد أداة، ولا داعي لاستخدامها لتقييد نفسك
في وقتٍ مبكر من هونغ كونغ كان بإمكانها فعلًا أن توفر للناس العاديين مخرجًا لكسب العيش، أما الآن ففي البرّ الرئيسي تتطور في كل مكان فرص، والطبيعي أن يتجه الإنسان إلى أماكن أوسع وأكثر انفتاحًا
يا أخي، منذ أن رجعت إلى البرّ الرئيسي لمدة سنة كاملة، وخلال اللقاء الذي حصل في الفترة الماضية، تغيّر حاله بالكامل؛ صار بمظهر مختلف تمامًا على المستوى النفسي
اختيارات المجال وفيرة؛ لا تحتاج إلى حبس نفسك في دائرة صغيرة تتنافس فيها مع الآخرين، كما أن المسافة إلى مسقط الرأس قريبة، ويمكن رؤية الأهل والأصدقاء في أي وقت
في الأعياد والمناسبات لا حاجة للعودة ذهابًا وإيابًا بشكل متكرر بين الجانبين والعبور من جديد والتعب في التنقل
لم يندم أبدًا على بقائه في هونغ كونغ وتحمّله سبع سنوات؛ فقد منحتَه هذه التجربة دبلومًا، وأيضًا طبقة إضافية من «الهوية البديلة»، كما رأى نمط حياة آخر
لكنَّه أيضًا لن يندم على اختيار العودة إلى البرّ الرئيسي لتطوير نفسه
الإنسان لا يعيش عمره كله فقط ليخرج من ورطة الحصول على شهادة واحدة ثم ينتهي كل شيء؛ الأهم هو أن تعرف كيف تستخدم رأس المال الذي بين يديك
الهوية هي لتترك لنفسك عدة مخارج احتياطية، وليست أن ترسم دائرة وتحبس نفسك فيها بإحكام
حيث تكون الحياة أكثر راحة وحيث تكون طرق كسب العيش أوسع، هناك يتجذر المرء؛ الفكرة بسيطة، ولا توجد بها أي مبادئ جوفاء
حولي عدد كبير من مهاجري هونغ كونغ حصلوا على الإقامة الدائمة ثم صاروا بين الحيرة؛ من جهة لا يستطيعون التخلي عن الهوية التي عانوا لأجلها سبع سنوات، ومن جهة أخرى لا يستطيعون تحمل ضغط هونغ كونغ: الأسعار المرتفعة جدًا وضيق مجال العمل
تأرجح بين الجانبين وحيرة مستمرة، يومًا بعد يوم يضيق صدره
في الحقيقة لا داعي للانشغال بأفكار متشعبة؛ ولا تُضخّم أيقونة «بطاقة بلاستيكية» بصورة مبالغ فيها
إن نقطة الاستقرار المناسبة للإنسان في حياته لا تُنظر إليها أبدًا بناءً على المدينة المذكورة في الشهادة، بل وفقًا لما إذا كانت المكان الذي يمكن أن يستوعب أحلامك ودوافعك

