
بالأمس، قامت أكبر شركة إدارة أصول في العالم بلاك روك (BlackRock) بتحويل 1044 بيتكوين (بقيمة حوالي 9190万美元) و7557 إيثريوم (بقيمة حوالي 2240万美元) إلى منصة كوين بيس، بإجمالي قيمة تزيد عن 1.143亿美元. وفقًا لمراقبة البيانات على السلسلة من Onchain Lens وArkham Intelligence، لم يكن هذا حدثًا فرديًا، بل كان جزءًا من عمليات بلاك روك المتتالية في نهاية العام، بما في ذلك التحويلات السابقة لـ 2292 بيتكوين و9976 إيثريوم في 24 ديسمبر. تُعتبر هذه التحركات إعادة توازن أو إدارة سيولة لصناديق بيتكوين ETF (IBIT) وصناديق إيثريوم ETF (ETHA).
أدت سلسلة التحويلات هذه إلى إثارة تقلبات في السوق بسرعة. ورغم أن سعر البيتكوين لا يزال قريبًا من 87400 دولار تقريبًا مع تقلبات طفيفة، فقد ارتفع الحجم العالمي للتداول بشكل حاد في المدى القصير، وبلغت بعض الفترات زيادة تجاوزت 130%، ما يعكس حساسية شديدة لدى المستثمرين تجاه سلوك المؤسسات.
أشار محللون في قطاع المال إلى أن هذه التحويلات قد تكون مرتبطة بتدفقات خروج أموال صناديق ETF في نهاية العام. فقد شهدت صناديق بيتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة صافي تدفقات خارجة، بما في ذلك جزء ساهم فيه صندوق iShares من “بلاك روك” (IBIT). وما زال السوق يراقب ما إذا كانت هذه التحركات تمهد لتعديل أكبر نطاقًا، أم أنها مجرد جزء من العمليات الاعتيادية.
بصفتها عملاقًا مؤسسيًا، تؤثر كل خطوة تقوم بها “بلاك روك” بعمق على ثقة منظومة العملات الرقمية والسيولة ومسار الأسعار.
وفي الوقت نفسه، كانت أداء البيتكوين خلال 2025 ضعيفًا نسبيًا على مدار العام؛ إذ انخفضت حتى تاريخه بنحو 5% فقط، وهو أقل بكثير من ذروة الخريف (التي تجاوزت في مرحلة ما 120 ألف دولار، قبل أن تعود إلى الخلف بما يقارب 30% من أعلى مستوى). ويتناقض ذلك بشكل صارخ مع أسواق الأسهم التقليدية: فقد ارتفع مؤشر S&P 500 خلال العام بحوالي 18%. وفي ظل خلفية قوة سوق الأسهم، استخدم كثير من المستثمرين الذين يحملون الأسهم والأصول المشفرة في الوقت نفسه بشكل نشط تراجع البيتكوين لتنفيذ “حصاد خسائر الضرائب” (tax loss harvesting)، حيث يتم تعويض خسائر العملات الرقمية مقابل أرباح الأسهم.
تتمثل الآلية الأساسية لحصاد خسائر الضرائب في بيع الأصول التي حققت خسائر، وتحقيق خسارة رأسمالية لاستخدامها لتعويض ضرائب الأرباح الرأسمالية على استثمارات أخرى. وإذا تجاوزت الخسائر الأرباح، فيمكن خصم ما يصل إلى 3000 دولار من الدخل العادي، بينما يُرحَّل الجزء المتبقي إلى العام التالي.
تعتبر دائرة الإيرادات الداخلية الأمريكية (IRS) العملات الرقمية مثل البيتكوين “ممتلكات” وليست “أوراقًا مالية”، وبالتالي لا تنطبق عليها قيود قاعدة “غسل البيع” (wash sale rule) التي تنطبق على الأسهم. فإذا سجّل مستثمر في الأسهم خسائر بعد تقديم بلاغ خسارة، فإنه يتعين عليه الانتظار 31 يومًا لإعادة شراء نفس الأصل، وإلا فلن تُحتسب الخسارة. أما بالنسبة لمستثمري العملات الرقمية، فيمكنهم بيع الأصل في اليوم نفسه وإعادة شرائه فورًا، فيحصلون على ميزة ضريبية مع الحفاظ على التعرض للسوق.
يشرح محاسب قانوني (CPA) روبرت بيرسيتشيت (Robert Persichitte): “يمكنك بيع البيتكوين، ثم شراؤها مرة أخرى في اليوم نفسه، دون أن يترتب أي تقييد.” وأشار توم جيوغهيغان (Tom Geoghegan)، المسؤول عن “Beacon Hill Private Wealth” في ولاية نيوجيرسي، إلى أن هذه الاستراتيجية أصبحت في صلب التخطيط الضريبي العام، خصوصًا في السنوات التي تكون فيها أسواق الأسهم قوية. ويؤكد أستاذ المالية في جامعة كورنيل ويل كونغ (Will Cong) أن المستثمرين الذين دخلوا خلال ذروة هذا الخريف يواجهون الآن تراجعًا بنسبة 30%، ما يزيد بشكل ملحوظ ضغط البيع في نهاية العام. لكن غياب قيود “غسل البيع” يجعل عملية “البيع ثم إعادة الشراء” أسهل في التنفيذ، وغالبًا ما تتم قرب المواعيد النهائية للتقارير الضريبية.
دفعت هذه المرونة إلى تسارع نشاط البيع المكثف لنهاية 2025، وفي الوقت نفسه يستفيد المستثمرون الذين يحتفظون بأصول مثل مؤشر S&P 500 من تعويض أرباح الأسهم بخسائر العملات الرقمية. وتشير تقارير من وسائل إعلام مثل “بلومبرغ” إلى أن حجم حصاد خسائر الضرائب بهذا الشكل أكبر من السنوات السابقة، وهو ما يُعد أحد مصادر الضغط في السوق. وقد شهدت صناديق بيتكوين الفورية المتداولة في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة تدفقات خارجة متتالية تجاوزت 800 مليون دولار، ويرجع ذلك جزئيًا أيضًا إلى استراتيجيات ضرائب نهاية العام وتقليل الرافعة المالية (deleveraging). ومع ذلك، فإن ميزة الضرائب هذه على وشك أن تتغير.
اعتبارًا من عام 2026، ستطلب مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) من الوسطاء والبورصات تقديم نموذج جديد هو 1099-DA، للإبلاغ عن تفاصيل تداولات العملات الرقمية لعام 2025 وما بعده، بما في ذلك عائدات البيع والأساس التكاليفي وغيرها. وسيعزز ذلك بشكل كبير التدقيق في كل معاملة، ويرفع متطلبات الامتثال. ويحذر خبراء بأن التخطيط الضريبي بعد 2026 سيصبح أكثر تعقيدًا؛ فكلما زادت درجة التقلبات، ارتفع مستوى المخاطر.
على مستوى عمال المناجم، رغم أن سعر البيتكوين لم يتراجع بشكل كبير خلال العام ككل، تبرز مرونة الشبكة. لقد توسعت قدرة البيتكوين في 2025 بشكل ملحوظ، إذ تجاوز متوسط نهاية العام 1 ZH/s (ما يقارب 1017-1144 EH/s)، بزيادة نحو 34%-35% مقارنة ببداية العام. وارتفعت صعوبة التعدين بالتزامن؛ إذ تبلغ حاليًا حوالي 148.26 تريليون، أي أعلى بنسبة 35% تقريبًا من بداية العام. وقد سجلت الصعوبة رقمًا قياسيًا بلغ 155 تريليون في أكتوبر ثم تراجعت قليلًا لاحقًا، لكن الشبكة ككل باتت أقوى.
تعتمد إيرادات عمال المناجم بصورة أساسية على مكافآت الكتلة والأسعار، لكن معدل التجزئة (القدرة الحاسوبية) يواصل النمو حتى عندما يتراجع السعر، ما يعكس توسع أحجام مزارع التعدين وتحسن الكفاءة. ورغم أن تقارير في منتصف ديسمبر أشارت إلى أن بعض مناطق الصين أوقفت عمليات عمال المناجم مؤقتًا، مما تسبب بتقلبات قصيرة الأجل في معدل التجزئة، فإن الصعوبة لم تتغير إلا بشكل طفيف (زيادة 0.04% فقط في أحدث قراءة)، وهو ما يدل على أن عمال المناجم عالميًا لم يشهدوا استسلامًا واسع النطاق. وعلى الرغم من ضعف hashprice (حوالي 38 دولارًا/PH/s/يوم)، فإن استقرار الشبكة يبيّن متانة منظومة البيتكوين على المدى الطويل. وبوجه عام، تُظهر نهاية 2025 في سوق العملات الرقمية عدة ديناميكيات متزامنة: إذ لفتت تحركات كبيرة مثل التحويلات من “بلاك روك” انتباه السوق، كما زادت عمليات حصاد خسائر الضرائب الضغوط قصيرة الأجل، بينما يُظهر توسع عمال المناجم قوة القاعدة التقنية.
إن تراجع سعر البيتكوين يؤدي إلى تقلبات، لكنه يوفّر أيضًا فرصًا لتحسين الضرائب. وفي الوقت نفسه، تُنبه إشارات التشدد التنظيمي المستثمرين بأن الأصول المشفرة تسرّع دمجها في النظام المالي السائد، ولم تعد معزولة. وفي المستقبل، قد يؤدي ارتفاع تكاليف الامتثال أو تغيير القواعد العامة للعملات الرقمية، فابقَ على استعداد لمعرفة ما سيحدث.